الدرس العشرون، المسألة 5، المقام الأول
الدرس العشرون
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الرابعة – وجه الجمع بين هذه الرواية والروايات الدالة على اللزوم – نظر المحقق الخوئي – الرأي المختار بشأن التعارض – المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير – الأقوال
5 جمادى الأولى 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
يدور البحث حول الروايات المعارضة للروايات الدالة على لزوم النكاح الذي يوقعه الجد أو الأب للصغيرة. وقد نقلنا حتى الآن ثلاث روايات وأخضعناها للدراسة؛ تعاني بعض الروايات من إشكال في دلالتها على عدم اللزوم. وأما تلك التي تدل على عدم اللزوم، كصحيحة محمد بن مسلم، فقد لزم سلوك سبيل الجمع في حقها. غير أن هذه الوجوه بأسرها قد خضعت للخدشة والمناقشة بنحو من الأنحاء.
الرواية الرابعة
الرواية الرابعة من الروايات المعارضة هي ذيل صحيحة الحلبي؛ وهي رواية نقلها الحلبي عن الإمام الصادق (عليه السلام)، وصدرها ليس محل الشاهد هاهنا، غير أن الراوي يطرح سؤالاً في ذيلها قائلاً: «فَإِنْ مَاتَتْ أَوْ مَاتَ؟ قَالَ: يُوقَفُ الْمِيرَاثُ حَتَّى يُدْرِكَ أَيُّهُمَا بَقِيَ، ثُمَّ يَحْلِفُ بِاللَّهِ مَا دَعَاهُ إِلَى أَخْذِ الْمِيرَاثِ إِلَّا الرِّضَا بِالنِّكَاحِ وَيُدْفَعُ إِلَيْهِ الْمِيرَاثُ». تتعلق هذه الرواية بغلام زوّجه أبوه من شخص آخر وهو في سن العاشرة. فيسأل الراوي عما إذا كان يسعه طلاقها وهو في سن العاشرة أم لا؟ فأجاب الإمام (عليه السلام). ثم يطرح الراوي سؤالاً آخر قائلاً: ماذا لو توفيت البنت التي صارت زوجة لهذا الغلام، أو توفي الغلام نفسه؟ فالسؤال يدور حول الإرث؛ فيجيب الإمام (عليه السلام): يوقف الميراث حتى يبلغا. فإذا بلغا، يُحلَّفان بالله على أنهما كانا راضيين بهذا الزواج؛ وبعد أن يحلف أنه كان راضياً بهذا الزواج، حينها يرث.
وتقريب الاستدلال بالرواية هو أنه لو كانت للأب الولاية لتزويج الغلام والبنت، وكان التزويج صحيحاً ولازماً، فلماذا حُكم في هذه الرواية بكون هذا العقد فضولياً، وأن البنت يجب عليها أن تحلف بعد البلوغ أن رضاها لم يكن بدافع الحصول على الإرث فقط؟ فمجرد هذا الحكم وتحليف البنت على رضاها بالزواج لكي ترث، يحكي عن أن هذا العقد لم يكن لازماً. فلو كان لازماً، فلماذا يجب عليها الحلف لترث؟ وإذا كان هذا العقد صحيحاً ولازماً منذ دوران الصغر ولم يكن فضولياً، فلماذا يقول الآن إنه يجب تحليفها لترث؟ إذن، يدل هذا الذيل على عدم لزوم هذا النكاح. وبناءً على ذلك، وفي مقابل الروايات الدالة على اللزوم، فإن هذه الرواية تدل على عدم اللزوم.
وجه الجمع بين هذه الرواية والروايات الدالة على اللزوم
فهل يوجد سبيل للجمع هاهنا؟ يمكن القول في وجه الجمع إن الروايات الدالة على اللزوم والتي تفيد عدم امتلاك البنت لحق معارضة صنيع الأب، ناظرة لفرض حياة الزوج؛ أي إنه إذا كان الزوج على قيد الحياة، فإن المجال مفتوح لمعارضة الزوجة وعدم رضاها به. غير أن رواية الحلبي التي طرحت مسألة الحلف، ناظرة لفرض وفاة الزوج، حيث لا يترتب على زوجيتها الآن أي أثر سوى الإرث. وفي هذا الفرض، لو رضيت، لنالها الإرث. ولذا، من المستبعد جداً معارضة النكاح بعد البلوغ في حال وفاة الزوج؛ فمن الطبيعي أن هذه المعارضة ستحرمها من الإرث. ومن هنا، تكون موافقة البنت ورضاها أمراً طبيعياً هاهنا؛ فتوافق وترضى لترث. ولكن لكي ترث، يقولون يجب عليها الحلف. إذن، لا يُشترط رضا البنت إلا في صورة وفاة الزوج وأرادت أن ترث، وهذا أيضاً يجب أن يكون مقترناً بالحلف. والنتيجة هي أن هذه الرواية لا تدل على عدم اللزوم؛ لأن موضوع هذه الرواية يختلف عن موضوع الروايات الدالة على اللزوم؛ ولذا يرتفع التعارض وتبقى روايات اللزوم على قوتها.
لكن لا يوجد شاهد على هذا الجمع؛ فالقول بوفاة الزوج يقتضي وفقاً لهذا الفرض اعتباره متوفى قبل البلوغ، وهذه الرواية لا تفيد أمراً كهذا.
وعلى أي حال، حتى لو سلمنا بدلالة هذه الرواية، فإننا نواجه الآن طائفتين من الروايات. فلو لم نقبل الرواية الأولى وناقشنا في الرواية الثانية، فإن الرواية الثالثة (صحيحة محمد بن مسلم) تدل على عدم اللزوم في نهاية المطاف؛ وكذلك هذه الرواية يمكن القول في النهاية بأنها تدل على عدم اللزوم. إذن، فنحن أمام طائفتين من الروايات المتعارضة. فإحدى طوائف الروايات تقرر أن البنت الصغيرة إذا زُوّجت من قِبل الأب أو الجد، فلا خيار لها بعد البلوغ وهذا العقد لازم. وتلك الرواية تدل على عدم اللزوم. فما العمل هاهنا إذن؟
نظر المحقق الخوئي
كما أشرنا في الجلسة السابقة، فقد أورد المرحوم السيد الخوئي هاهنا احتياطاً؛ حيث يقول: لو كان لدينا إجماع على عدم ثبوت الخيار، لحكمنا بعدم الخيار بناءً على الإجماع. وبطبيعة الحال، بناءً على الإجماع، يتعين علينا الحكم باللزوم. وقد قبل دلالة رواية محمد بن مسلم وقال إنها «واضحة الدلالة بل صريحة الدلالة» في عدم لزوم العقد؛ فيقول يجب أن نرفع اليد عنها ونطرحها ونرد علمها إلى أهلها. ولكن إذا لم يكن هناك إجماع (وهو ما يبدو كذلك)، «يتعين العمل بها» أي برواية محمد بن مسلم. وتبقى مشكلة واحدة فقط وهي أن المشهور قد أعرضوا عن رواية محمد بن مسلم ولم يفتِ أحد بناءً عليها؛ فكيف تقولون إذن «يتعين العمل بها»؟ يقول (قدس سره): قد عرفت مراراً أن إعراض المشهور عن رواية معتبرة لا يوجب سقوطها عن الحجية؛ فغاية ما في الأمر أن المشهور لم يعملوا بهذه الرواية ولم يفتوا بناءً عليها؛ وهذا لا يمثل مشكلة؛ لأننا نعتقد أن إعراض المشهور لا يوجب وهن الرواية وسقوطها عن الحجية.
إذن، هو يقول في الوهلة الأولى إنه لو كان هناك إجماع، لأسلمنا للإجماع وقلنا بلزوم هذا العقد؛ ولكن إذا لم يكن هناك إجماع، فلا ريب في وجوب العمل بهذه الرواية. ثم يتابع قائلاً: أقل ما يمكننا فعله هو الاحتياط؛ والاحتياط يتمثل في أنه لو لم تكن البنت راضية بهذا العقد، طُلّقت. لأنه لو قلنا باعتبار رضاها وثبوت حق الفسخ لها، فبطبيعة الحال لو أعملت الخيار، انفسخ ذلك العقد ولم يحتج إلى الطلاق. لكنه يقول نحن نحتاط، «وحينئذ فلا أقل من الالتزام بالاحتياط بالطلاق عند عدم رضاها بالعقد بعد البلوغ»؛ فأقل ما يُقال هو أنه إذا لم تكن البنت راضية بهذا النكاح، فيجب أن تُطلق.
الرأي المختار بشأن التعارض
لا تزال أصل هذه المسألة تشكل عقبة أمامنا: ما عسانا فاعلين إزاء الروايات المعارضة؟ فهل هناك إجماع على اللزوم أم لا؟ لقد لاحظتم أننا في بداية البحث نفينا وجود الإجماع؛ وإن كانت الشهرة القوية متحققة في المسألة. فنحن إذن أمام طائفتين من الروايات؛ الروايات الدالة على اللزوم، والروايات الدالة على عدم اللزوم. فأيهما نُرجح؟
يبدو أنه بالنظر إلى الشهرة الروائية للطائفة الأولى، يتعين علينا القبول بعدم الخيار؛ فكما ذهب المشهور والإمام (رضوان الله عليه) والمرحوم السيد، ومعظم المحشين أيضاً، فإن هذا العقد لازم. لأن الروايات الدالة على اللزوم تحظى بشهرة أوسع؛ فقد لاحظتم أن هذه الروايات لعلها تبلغ حدّاً يورث اطمئناناً نسبياً للإنسان. ومن العجيب كيف غفل المرحوم السيد الخوئي عن هذه الجهة؛ وبطبيعة الحال، فإن عبارته تشير إلى أنه كأنه يرى رواية محمد بن مسلم صريحة؛ فيقول لدينا رواية صريحة في عدم اللزوم، وفي المقابل لدينا روايات ظاهرة في اللزوم. وبطبيعة الحال، تُقدم الرواية الدالة على عدم اللزوم نظراً لصراحتها على الروايات الظاهرة في اللزوم. ثم يتابع قائلاً إن أقل ما يمكن فعله هو الاحتياط. ولكن من حيث درجة ومرتبة الظهور، فإن هاتين الطائفتين من الروايات متماثلتان تقريباً؛ ومن الناحية السندية أيضاً، يوجد في كلتا الطائفتين روايات صحيحة السند. فنحن إذن أمام هاتين الطائفتين من الروايات المتعارضة؛ ولكن بالنظر إلى أن الطائفة الأولى أشهر وأن الروايات الدالة على اللزوم أكثر، يتعين علينا القبول بلزوم هذا النكاح وعدم ثبوت حق الفسخ للبنت.
وهذه النتيجة، أي عدم ثبوت الخيار أو اللزوم، يمكن أن تُؤيد ببعض الأمور الأخرى أيضاً. يمكن أن يؤيد ذلك بأصالة اللزوم. فأصالة اللزوم في العقود تؤيد لزوم عقد كهذا؛ والفرض أيضاً هو ثبوت الولاية للأب أو الجد.
السؤال: …
الأستاذ: من باب الاتفاق، الشهرة الفتوائية تُعد من المؤيدات … هي مؤيد وليست حجة؛ … مضمون هذه الروايات مشهور. فالتواتر المعنوي يعني اشتهار معنى ومفاد ومضمون رواية ما، وإن اختلفت ألفاظها وعباراتها. والأمر هاهنا كذلك؛ فالروايات الدالة على اللزوم تحظى بشهرة من حيث المحتوى والمضمون؛ كالشهرة المعنوية. وبطبيعة الحال، لم يُستعمل مثل هذا المصطلح، ولكن يمكننا استعمال هذا المصطلح على غرار التواتر المعنوي.
كما يجب أن نضع في الحسبان أن استمرار هذا النكاح بعد البلوغ قد تكتنفه بعض المفاسد؛ أي إن إجبار البنت على قبول هذا النكاح وإخبارها بأنها لا تمتلك حق نقضه، قد يستلزم مفسدة. وحينها يسع الحاكم اتخاذ القرار بملاحظة الظروف؛ أما وفقاً للقاعدة والأدلة، فحين نقول إن عقداً كهذا لا يتوقف على رضا البنت، فشأنه شأن سائر الموارد التي تثبت فيها الولاية ويسع الأب أو الجد تزويجها من غيرها. فنحن لا نربط المسألة بالرضا؛ أي إن هذه البنت بعد البلوغ يجب أن تقبل هذا العقد وتمضيه. ولا ينبغي أن يتبادر إلى أذهانكم أن هذه البنت مجبرة على الاستمرار في هذا الزواج دون رضاها وبنفس الظروف؛ لأن الفرض هو مراعاة شرط انتفاء المفسدة. فالزوج ليس معيباً ولا يعاني من مشكلة؛ والقول بأننا نربط هذا الأمر أيضاً بإذن البنت أو رضاها، لا دليل عليه.
المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير
يرتبط المقام الثاني بتزويج الصغير. وقد ذكرنا في البداية أننا نبحث في المسألة الخامسة في مقامين؛ وقد جمع الإمام (رضوان الله عليه) بينهما في بيان واحد قائلاً: «إذا وقع العقد من الأب أو الجد عن الصغير أو الصغيرة مع مراعاة ما يجب مراعاته»، بافتراض مراعاة جميع الأمور التي ينبغي مراعاتها؛ «لا خيار لهما بعد بلوغهما بل هو لازم عليهما»، فلا خيار لهما بعد البلوغ بل العقد لازم في حقهما. وقد صرّح المرحوم السيد بهذا المعنى أيضاً، بيد أنه وردت في متن (العروة) إشارة بشأن الصغير، سأذكركم بها: «وكذا الصغير على الأقوى»، أي كأن هناك خلافاً في مورد الصغير؛ «والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف»، فالقول بأن الغلام يمتلك بعد البلوغ خيار فسخ المعاملة أو إمضائها ضعيف. والآن، نريد أن نرى ما إذا كان الأب قد بادر لتزويج ابنه من شخص آخر وهو لم يبلغ الحلم بعد، فهل هذا العقد نافذ ولازم أم لا؟ أي هل يسع الابن نقض هذا العقد أم عليه أن يرضخ له؟
الأقوال
يوجد قولان كليان حول الخيار إزاء هذا العقد:
-
القول الأول: إن هذا العقد لازم كالعقد الذي يقع للصغيرة؛ وهذا ما صرح به المرحوم السيد بقوله “على الأقوى”.
-
القول الثاني: إن هذا العقد غير لازم، بل يسع الابن بعد البلوغ إمضاؤه أو فسخه.
والقائلون بثبوت الخيار في هذا العقد وعدم لزومه، ينقسمون إلى قسمين:
قسم يقول إن هذا العقد فضولي؛ أي إن من يجب عليه الرد أو الإمضاء يمتلك الخيار للرد أو الإجازة؛ لأنهم يرون أن العقد الذي وقع هو عقد فضولي.
وقسم يرى أن العقد لم يكن فضولياً بل كان يتصف بالصحة التأهلية، والآن بعد أن أثبتنا الخيار للابن، فمعنى ذلك أنه يسعه فسخ العقد. القول الأول يخص صاحب (الحدائق)، والقول الثاني يخص صاحب (المستمسك). إذن، يمكننا القول إجمالاً بوجود ثلاثة أقوال في المسألة.