The news is by your side.

الدرس السابع، مسألة 4، المقام الثاني

الدرس السابع

مسألة 4 – المقام الثاني: دراسة اشتراط المصلحة – أدلة اشتراط المصلحة – الدليل الأول – دراسة الدليل الأول – الإشكال الثاني، الثالث والرابع

26 ربيع الأول 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة وقع البحث في اشتراط المصلحة واعتبارها في ولاية الأب والجد في أمر تزويج البنت؛ وذكرنا أنه قد تُمُسِّك بأدلة لإثبات هذا الاشتراط. وقد أوردنا الدليل الأول في الجلسة الماضية؛ ومحصّله أنه بالنظر إلى اعتبار هذا الشرط في تصرفات الولي المالية، وكون أي تصرف له في أموال الولد منوطاً بمراعاة المصلحة، وبضميمة إلغاء الخصوصية عن الأموال أو أولوية النكاح بالقياس إليها، تكون النتيجة هي اشتراط المصلحة في ولاية الأب والجد. ثم عرجنا على دليل اعتبار المصلحة في التصرفات المالية، وقلنا إن العمدة في لزوم مراعاة المصلحة في تصرف الأب والجد في الأموال هو الآية الكريمة: (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). وقد بُيّن تقريب الاستدلال بها، حيث قلنا إن الآية منعت من التصرف في أموال اليتامى من دون مصلحة، وبتنقيح المناط وإلغاء الخصوصية أو الأولوية نثبت اعتبار المصلحة في تزويج البنت من قبل الأب والجد. وقد أُثيرت إشكالات على هذا الدليل لا سيما الاستدلال بالآية؛ فذكرنا إشكالين وأجبنا عنهما، وإن كان هذان الإشكالات ليس لهما ذاك القدر من الأهمية.

الإشكال الثالث

يرتبط الإشكال الثالث بإلغاء الخصوصية عن الأموال؛ حيث ادعى المستدل أن الآية الكريمة (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) تنهى عن أي تصرف في أموال اليتامى من دون مراعاة المصلحة، ثم أفاد بأن التصرفات المالية لا خصوصية لها، بل يلزم مراعاة المصلحة في كل أمر يعد بنحو من الأنحاء تصرفاً در شؤون المولى عليه.

وهنا يقول المستشكل: لا وجه لإلغاء هذه الخصوصية؛ فبأي مسوغ نلغي خصوصية التصرفات المالية ونتعدى بها ونسريها إلى باب النکاح؟ وعلى كل حال، فإن إلغاء الخصوصية يفتقر إلى مبرر ودعامة نرتكز عليها، ولا يمكننا هكذا جزافاً تسريج الحكم الوارد بخصوص الأموال إلى غيرها. هذا كله بناءً على فرض قبول دلالة الآية على لزوم مراعاة المصلحة في التصرفات المالية، وهو بنفسه محل بحث؛ فبرهن تبرعاً أن الآية تثبت لزوم المصلحة في التصرفات المالية، فبأي ملاك نثبت ذلک في غیرها؟ إذن هذا الإلغاء للخصوصية لا وجه له.

وحتى لو قال قائل: إننا ندخل من باب الأولوية -كما أُشير إليه في كلام المستدل من التمسك بمفهوم الأولوية لتسريج الحكم من الأموال إلى النكاح- فنقول: إذا وجبت مراعاة المصلحة في الأموال قليلها وكثيرها (إذ لم يفصلوا بین المال القليل والكثير، والمال الصغير والكبير)، فبطريق أولى تجب مراعاتها في أمر النكاح.

فإننا نجيب: حتى مفهوم الأولوية هنا لا يجدي نفعاً؛ لأن أصل الأولوية محل تأمل. نعم، النكاح أمر خطير ومهم، لكن إثبات الحكم له من هذا الطريق منوط بقبول أصل دلالة الآية على لزوم مراعاة المصلحة في التصرفات المالية؛ فلو قبلنا به، لعله أمكننا القبول بهذه الأولوية.

وعلى أي حال، فإن الإشكال الثالث يتوجه إلى إلغاء الخصوصية أو الأولوية اللذين اتخذا ركيزة لتعدية الحكم من التصرفات المالية إلى النكاح والقول بلزوم مراعاة المصلحة. وبناءً عليه، لكي نقول بلزوم المصلحة في النكاح استناداً إلى هذه الآية، فنحن مضطرون أولاً إلى إثبات دلالة الآية على لزوم المصلحة في التصرفات المالية، وثانياً تسريج هذا الحكم بملاك إلغاء الخصوصية أو الأولوية إلى النكاح، في حين أن كلا الأمرين محل تأمل؛ سواء في وجوب مراعاة المصلحة في التصرفات المالية استناداً للآية، أو في وجه تسريتها إلى النكاح لو ثبتت هناك. ومن ثمَّ فلا إلغاء الخصوصية له وجه، ولا الأولوية قابلة للإثبات.

دراسة الإشكال الثالث

يمكن أن يكون هذا الإشكال وارداً من بعض الجهات، وغير وارد من جهات أخرى:

أولاً: إن هذه الآية بنفسها لا تدل على لزوم مراعاة المصلحة، لا سيما مع الالتفات إلى عدم شمولها للأب؛ والجواب الذي قدمه بعض الأعلام كالمرحوم السيد الخوئي محل مناقشة؛ فإن دعوى التسالم والاتفاق على عدم القول بالفصل بين الأب والجد في هذا الأمر محل تأمل. فأن يكون الجميع متفقين على انتفاء الفرق بين الأب والجد في هذا المطلب ووجود التسالم عليه، فيه تأمل؛ إذ أي محذور في أن يكون الآخرون -بمن فيهم الجد وغيره- ملزمين بمراعاة المصلحة دون الأب؟ لأن عنوان اليتيم إنما ينطبق على من لا أب له، فالآية تريد أن تبين أن أي شخص -سواء كان الجد أو غيره- إذا أراد التصرف في مال اليتيم، فعليه ملاحظة المصلحة، فاليتيم له خصوصية. وفي ذلك الزمان، كان الكثير من الأقارب والأصدقاء يدخلون في حياة اليتامى ويتصرفون في أموالهم، فجاءت الآية بهذا النهي الشديد في خصوص اليتيم ومن لا أب له؛ أما إذا كان الأب موجوداً، فهو أعرف بشؤونه، وهنالك قيم ومشرف فوق رأسه بالنتيجة. فالقول بعدم الفصل أو التسالم وأمثال ذلك لا يمكنه إثبات شمول الآية للأب؛ لعدم وجود مثل هذا التسالم لا سيما مع هذه النكتة التي أشرنا إليها. إذن لا بد لنا أولاً من قبول أصل دلالة الآية على لزوم المصلحة في التصرفات المالية وهو محل تأمل.

ثانياً: أما مسألة إلغاء الخصوصية یا الأولوية التي اتكأ عليها الاستدلال لتعدية الحكم؛ فإن إلغاء الخصوصية غیر قابل للإثبات، فبأي أساس نلغي خصوصية الأموال ونقول بشمول الآية للنكاح؟ لا سيما مع ملاحظة الإطلاقات القائمة في باب النكاح.

والأولوية أيضاً صحيحة من جهة؛ فمسألة النكاح التي تمثل حياة بأكملها، هي بلا ريب أهم من المال اليسير والقليل. وإذا قبلنا بلزوم مراعاة المصلحة، فلا فرق بين المال القليل والكثير، بل يجب أن يكون التصرف في المال القليل بملاحظة المصلحة أيضاً لو قبلنا بدلالة الآية؛ والنكاح قطعا يتفوق أهمية بالقياس إلى المال القليل. ولذا قلنا إن أمر النكاح يفوق في الأهمية بعض الأموال في الجملة وهو قابل للقبول، أما أن نقول على نحو الكلية بأن النكاح أولى من الأموال في جميع الجهات وبإطلاقه، فهذا غير قابل للإثبات. فالنتيجة أننا نقبل هذا الإشكال في الجملة متوجهاً إلى الدليل الأول؛ هذا تمام الكلام في الدليل الأول، وهنالك أدلة أخرى في المقام.

الإشكال الرابع

يتجه الإشكال الرابع نحو شمول الآية للنكاح؛ فلو سلّمنا جدلاً أن الآية تثبت لزوم مراعاة المصلحة در تصرفات مالی -بأن نضرب صفحاً عن الإشكالات السابقة ونقول بدلالتها على لزوم المصلحة إذا أراد الأب أو الجد التصرف در اموال- إلا أن ذلك غير قابل للإثبات في النكاح؛ لوجود إطلاقات أقوى في مقابل إطلاق هذه الآية. فنحن وإن قبلنا بإطلاق الآية واقتضائها للزوم مراعاة المصلحة في التصرف المالي للبنت، إلا أن بين أيدينا روايات في المقابل يشمل إطلاقها فرض خلو العقد من المصلحة أيضاً. وقد أشرنا قبل عدة جلسات إلى هذه الروايات الواردة في باب النكاح وهي ليست بقليلة؛ حيث تبين ولاية الأب والجد على البنت، وقد قرأناها سابقاً وهي طوائف متعددة؛ كالأخبار الواردة في باب «ثبوت الولاية للأب والجد للأب خاصة مع وجود الأب لا غيرهما». فجميع الروايات الدالة على ثبوت الولاية مطلقة، وإطلاقها يعنی عدم ذكر مسألة مراعاة المصلحة في أي منها؛ فلم تقل واحدة منها أنه إذا أراد الولي تزويج ابنته من الغير فعليه ملاحظة مصلحتها. ومع وجود هذه الإطلاقات النافية للتقيد بمراعاة المصلحة، كيف يسوغ لنا اشتراط الولاية بالمصلحة؟ وقد تقولون: إن كانت تلك الروايات مطلقة، فإن الآية مطلقة أيضاً، وقد أثبتت الآية على وجه الكلية اعتبار المصلحة للجد (على فرض شمولها للأب تبعا).

دراسة الإشكال الرابع

والجواب: إن إطلاق الروايات أقوى من إطلاق الآية؛ لأن الروايات قد بيّنت هذا المطلب تكراراً وتعداداً من دون أي إشارة إلى لزوم ملا حظة المصلحة في تزويج المولى عليه. نعم، ذكرت أمراً واحداً وهو أن لا ينطوي على مفسدة وضرر، فهذا مذكور في الروايات نفسها، دون أي إشارة للمصلحة.

فالإشكال الرابع يقرر أننا لا نقبل التقييد بمراعاة المصلحة في النكاح، لوجود إطلاقات أقوى في قباله. وعلى فرض أن الآية تثبت لزوم مراعاة المصلحة على الولي، فإن تلك الإطلاقات تمنع من ذلک؛ إذ قد يتبادر إلى الذهن إشكال بأن تلك الإطلاقات تُقيَّد بهذه الآية؛ فصحيح أن الروايات مطلقة ولم تذكر قيد المصلحة، فلتكن الآية مقيدة لتلك الإطلاقات ومفيدة لثبوت الولاية بشرط مراعاة المصلحة.

والجواب أن هذا غير ممكن؛ لأن إطلاق الروايات أقوى من ظهور هذه الآية، وليست للآية القدرة على تقييد تلك الروايات؛ فالآية بالكاد يمكنها إثبات هذا الأمر في حق الجد، ولقائل أن يقول إن الآية غير مربوطة بالجد ولا يعلم شمولها له، بل كانت خطاباً لمن يلتهمون أموال الأشخاص بعد وفاتهم؛ فلا ظهور قريباً للآية في الجد فضلاً عن الأب. وبناءً عليه، لا يمكننا بهذه الآية تقييد تلك الإطلاقات وإثبات لزوم مراعاة المصلحة. فوضح الإشكال الرابع متوجهاً إلى این دلیل.

فتحصل مما ذكرنا كله أن الدليل الأول غير قابل للقبول لورود جملة من الإشكالات عليه؛ وقد أجبنا عن بعضها، إلا أن بعضها الآخر ما زال قائماً ومانعاً من الاستدلال بالآية لإثبات لزوم مراعاة المصلحة في أمر تزويج البنت.

بحث الجلسة القادمة سوى هذا الدليل، ثمة دليلان آخران يتعين علينا دراستهما ومحاكمتهما في الجلسة المقبلة إن شاء الله تعالى.