الدرس الخامس والثمانون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الخامس والثمانون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة دلالة حديث الرفع – 2. “ما” الموصولة – المطلب الثالث: دراسة اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية وشموله للأمور العدمية – الحق في الجواب على المحقق النائيني – الدليل الأول – الدليل الثاني – الدليل الثالث – نتيجة البحث في المطلب الثالث – أهم وظيفة لجنود الإمام الزمان (عج)
14 شعبان 1447 هـ
خلاصة الجلسة السابقة
كان البحث يدور حول مدعى المرحوم المحقق النائيني باختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية. فقد استدل على أن حديث الرفع لا يشمل الأمور العدمية؛ وخلاصة قوله إن “الرفع” بقرينة معنى “الوضع”، عبارة عن تنزيل الموجود منزلة المعدوم، في حين أن التروك لا وجود لها أساساً لتُنَزَّل منزلة المعدوم. وفي معرض الرد على هذا الادعاء للمحقق النائيني، ذُكر جوبان وقد أُشكل عليهما معاً.
الحق في الجواب على المحقق النائيني
والحق في الجواب على المحقق النائيني هو أن حديث الرفع يشمل كلا القسمين؛ الأمور الوجودية والعدمية. ولإثبات هذا المدعى ونقد كلامه، يمكن الاستناد إلى عدة أدلة وشواهد:
الدليل الأول
إن التفسير الذي قدمه لمعنى “الرفع” أي “تنزيل الموجود منزلة المعدوم” لا يخلو من إشكال حتى مع ملاحظة المعنى اللفظي للوضع. فقد اعتبر الوضع بمعنى تنزيل المعدوم منزلة الموجود، وجعل الرفع بهذا المعنى أيضاً، في حين أن الرفع لا يعني تنزيل الموجود منزلة المعدوم. وبما أن الرفع يقع في عالم التشريع وبصورة ادعائية (خلافاً لرأي المحقق النائيني الذي اعتبره حقيقياً، بل وبمعنى الدفع)؛ فالرفع هنا بالمعنى الادعائي وفي نطاق التشريع؛ أي رفع الحكم. كما أن إسناد الرفع إلى هذه الأمور ليس إسناداً حقيقياً، بل هو إسناد مجازي، ومُصَحِّح هذا الإسناد هو تقدير “جميع الآثار”؛ أي «رُفِعَ جَمِيعُ آثَارِ الْحُكْمِ».
وبعبارة أخرى، تُرفع آثار الحكم أو الفعل في عالم التشريع، إذا اعتبرنا هذا أعم من الشبهات الموضوعية والشبهات الحكمية. والرفع الادعائي للحكم يعني أن الحكم الذي كان يفترض أن يثبت لعمل ما، ينتفي. فعلى سبيل المثال، شرب الخمر له حكم الحد والحرمة، والآن لو أُكره شخص على شرب الخمر، فإن حكم الحد والحرمة يُرفع عن هذا الشرب وفقاً لحديث الرفع، ولذا لا يؤثر هنا كون الأمر وجودياً أو عدمياً، ولا يهم إن كان فعلاً أو تركاً. فمعنى حديث الرفع هو أن جميع آثار الحكم أو الفعل تُرفع في عالم التشريع؛ وهذا الحكم قد يتعلق بالفعل وقد يتعلق بالترك. إذن فتفسيره للرفع بأنه تنزيل الموجود منزلة المعدوم ليس صحيحاً.
الدليل الثاني
في محيط الشريعة، تترتب بعض الأحكام والآثار على التروك التي تُعد أموراً عدمية. وبتعبير أدق، ننقض كلام المحقق النائيني بالتمسك بترتب وتعلق الحكم بالتروك التي هي أمور عدمية. فلو لم تكن الأحكام لتتعلق بالتروك، فلماذا أصبحت التروك في الشريعة منشأً لبعض الآثار والأحكام؟ أي أن موضوع بعض الأحكام والآثار هو التروك نفسها. فإذا كانت التروك أموراً عدمية، والعدم ليس بشيء ليتعلق به حكم، فلماذا ترتبت عليه هذه الآثار والأحكام؟
لقد كان عمدة كلام المرحوم النائيني هو أن “الرفع لا بد له من محل يرد عليه”؛ لأن معناه هو تنزيل الموجود منزلة المعدوم، وبما أن الأمور العدمية والتروك ليست بشيء، فلا يمكن للرفع أن يتعلق بها. لأن ذلك المحل الذي يجب أن يرد عليه الرفع غير موجود؛ لأن الترك أمر عدمي.
والآن، إذا كان الأمر كذلك، وأن التروك تُعد أموراً عدمية، وليس لها محل بتعبيركم، فلماذا جعلها الشارع موضوعاً لبعض الأحكام؟ ولماذا رتب عليها العقل أحكاماً وآثاراً؟
وهذا المطلب يمكن طرحه حتى بغض النظر عن فرض النسيان والاضطرار. فافرضوا أنه ليس لدينا نسيان ولا اضطرار؛ ففي مجموعة الأحكام والقوانين والمقررات الشرعية والعقلية نفسها، وبدون عروض الإكراه والاضطرار والخطأ والنسيان، أصبحت التروك منشأً لمجموعة من الأحكام. فعلى سبيل المثال، في نفس المثال الذي ذكره المحقق النائيني: شخص نذر أن يشرب من ماء الفرات. والآن لو ترك هذا العمل وخالف النذر، فقد ارتكب معصية؛ فهو حرام من الجهة التكليفية وتثبت فيه الكفارة أيضاً. ولا مجال لذكر الاضطرار هنا أصلاً، بل تعمد ترك شرب ماء الفرات. ففي هذه الصورة، يكون قد أذنب وعليه دفع الكفارة معاً. فهنا، ما وقع موضوعاً للحرمة والكفارة هو مخالفة المنذور أو ترك العمل بالنذر. ولذا فإن قسماً من هذه المخالفة هو هذه العدميات نفسها. فقد امتنع عمداً عن شرب ماء الفرات الذي كان لازماً بموجب النذر. وهذا أمر عدمي. وقد وقع بلا شك موضوعاً لحكم شرعي. فلو كان مقرراً ألا تتعلق الأحكام الشرعية بالتروك والأمور العدمية لكونها معدومة، فلماذا جعلها الشارع هنا موضوعاً للحكم؟ هذا يدل على أن الرفع يمكن أن يتعلق بالتروك أيضاً.
الدليل الثالث
علاوة على ذلك، فإن الوضع كذلك في محيط العقل أيضاً. فالعقل نفسه يحكم باستحقاق العقاب في صورة المخالفة والثواب في صورة الموافقة. فهذا حكم العقل. يقول العقل إن الطاعة توجب استحقاق الثواب، والمعصية تستلزم استحقاق العقاب. ولكن الطاعة والمعصية أحكام عقلية. فالطاعة تعني موافقة المأتي به مع المأمور به؛ والمعصية تعني عدم مطابقة المأتي به مع المأمور به أو عدم الإتيان بالمأمور به. وبناءً عليه، فالمخالفة أو المعصية، هي في ذاتها معنى عدمي، هي ترك؛ ولكنها مع ذلك وقعت موضوعاً لحكم عقلي يُسمى “العقاب” أو “استحقاق العقوبة”.
فإذا كانت الأمور العدمية لا وجود لها وليس لها محل ليتعلق بها الحكم، فلماذا جعلها العقل موضوعاً لبعض أحكامه؟ هذه نقوض محكمة لكلام المرحوم النائيني.
نتيجة البحث في المطلب الثالث
فَتَحَصَّل مما ذكرنا كله في المطلب الثالث المتعلق باختصاص حديث الرفع أو شموله للأمور العدمية، أن حديث الرفع عام؛ بمعنى أنه يشمل الأمور الوجودية والأمور العدمية معاً، خلافاً لرأي المحقق النائيني الذي يرى اختصاص حديث الرفع بالأمور الوجودية.
وقد نقلنا بالمناسبة، ضمن بيان هذا المطلب، كلاماً للمحقق النائيني، وكلاماً للمحقق العراقي في الجواب عليه، وكان يتعلق بـ “الجزء المنسي” في الصلاة.
فقد قال المحقق النائيني إن البعض نفى جزئية السورة للصلاة في صورة النسيان بالاستناد إلى حديث الرفع. أي أن البعض تمسك بحديث الرفع ليقول إن من نسي السورة، فلا جزئية للسورة في الصلاة بعد ذلك. وقد خالف هو هذا الرأي وقال: لا يمكن لحديث الرفع أن يرفع جزئية الجزء المنسي. وفي المقابل، قال المحقق العراقي: يمكن لحديث الرفع أن ينفي جزئية الجزء المنسي.
ويجب دراسة هذا المطلب: هل تُرفع جزئية الجزء المنسي بحديث الرفع في النهاية أم لا؟ وما هو الحق في هذه المسألة؟ تُتصور صورتان للمسألة هنا. دققوا النظر:
صورة واحدة هي أن يقع النسيان أو عدم العلم في أصل الجزئية. أي أن تكون مسألة جزئية السورة من عدمها مثلاً، مجهولة أو منسية من الأساس.
وتارة لا يتوجه النسيان إلى أصل الجزئية، بل يتعلق بالجزء نفسه؛ أي أن أصل الجزئية كان معلوماً وحاضراً في ذهن الفرد، ولكنه نسي الإتيان به. ويجب بحث هاتين الصورتين.
ويمكننا متابعة هذه المسألة هنا، وإن كانت قد تتطلب جلستين أو ثلاث. كما يمكننا طرح هذا البحث بعد بيان المطالب المتعلقة بالحديث، وعند التطرق لسائر الفقرات، وخاصة في بحث «رُفِعَ الْخَطَأُ وَالنِّسْيَانُ» ومناقشته هناك. وكلا الطريقين ممكن ولا فرق يذكر.
ويجب أن نلاحظ أنه لا يزال لدينا عدة مطالب أخرى هنا يجب دراستها.
فقد بينا حتى الآن ثلاثة مطالب، يتعلق بعضها بنطاق حديث الرفع.
الأول: هل يختص حديث الرفع بالشبهات الموضوعية أم يشمل الشبهات الحكمية أيضاً؟
الثاني: هل يختص حديث الرفع بالأمور الوجودية أم يشمل الأمور العدمية أيضاً؟
والمطلب الثالث يتعلق بإسناد الرفع إلى “ما”. وهذا المطلب بالطبع لا يتعلق بالنطاق.
ولكن الآن، بقيت عدة مباحث أخرى تتعلق بالنطاق:
الأول: أن حديث الرفع يرفع فقط الأحكام التي وردت على العناوين الأولية، ولا شأن له بالعناوين الثانوية. وهذه المسألة تحتاج إلى توضيح.
الثاني: هل يشمل حديث الرفع التكاليف غير الإلزامية كالمستحبات أيضاً أم لا؟
الثالث: هل يشمل حديث الرفع الأحكام التكليفية والوضعية أم يختص بالأحكام التكليفية؟
وهذه المطالب الثلاثة هي مباحث مهمة ولها تطبيقات كثيرة.
الرابع: ما يقال من أن حديث الرفع ورد في مقام الامتنان، هل المقصود الامتنان الشخصي أم النوعي؟
وهذه الموارد جميعها تفيد المجتهد ليعرف أين يمكنه الاستناد إلى حديث الرفع ورفع حكم ما. فالأمر ليس بحيث يمكن الاستناد إلى حديث الرفع في كل مكان.
فهذه المطالب الأربعة تتعلق جميعها بأبعاد ونطاق ودلالة حديث الرفع.
وعلى أي حال، سنطرح بحث الجزء المنسي بعد بيان هذه المطالب الأربعة.
أهم وظيفة لجنود إمام الزمان (عج)
يقول إمام الزمان (ع) في أحد تواقيعه: «وَالْحَقُّ مَعَنَا فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا، وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا، وَالْخَلْقُ بَعْدُ صَنَائِعُنَا» يقول: «الْحَقُّ مَعَنَا»؛ الحق معنا. نحن الحق. يقول بقطع ويقين: «الْحَقُّ مَعَنَا». ولما كان الأمر كذلك، «فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا»؛ أي أن اعتزال البعض لنا، وابتعادهم عنا، وعدم مرافقتهم لنا، لن يوحشنا أبداً. وهذا الكلام يحمل دروساً كثيرة.
«الْحَقُّ مَعَنَا، فَلَنْ يُوحِشَنَا مَنْ قَعَدَ عَنَّا»؛ فلماذا نستوحش إذن؟ ومم نخاف؟ هل الإقبال والتكريم والتفاف الناس حول المرء هو معيار الحق؟ فهذا لا يوجب الوحشة إذا لم يكن معنا عدد قليل أو كثير من الناس. فالوحشة الحقيقية هي أن يبتعد الإنسان عن الحق؛ أما إذا كان على صراط الحق، فمم يجب أن يستوحش؟
«وَنَحْنُ صَنَائِعُ رَبِّنَا»؛ نحن صنائع ربنا. نحن المصطفون الذين رباهم الله.
رُوي عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ أَدَّبَ نَبِيَّنَا…»؛ أي أحسن تأديبه. «فَلَمَّا أَكْمَلَ لَهُ الْأَدَبَ»؛ أي لما أكمل تأديب وتربية وتنشئة النبي، قال: «إِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ»؛ فبعد التربية الإلهية، نال (ص) هذا المقام من الخلق العظيم. ثم قال: ولما كان الأمر كذلك، فوض إليه أمر الدين والعباد. أي جعله قائداً وإماماً ومقدماً ليتولى تدبير شؤون العباد. فأئمة الهدى (عليهم السلام) هم صنائع الرب؛ هم من رباهم الله ليربوا عباده.
لذا فكأنما يقول: والخلق بعد ذلك هم صنائع أوليائنا. أي في المرتبة التالية، الناس أيضاً هم صنائعنا. فقد أدبنا الله وربانا ونشأنا، ونحن بدورنا يجب أن نُحسن تربية الناس. وبعبارة أخرى، فإن تربية الناس هي أهم وظيفة للأنبياء والأولياء والأئمة المعصومين (عليهم السلام). فهم “صنائع الأئمة”. ليس بمعنى أنهم خالقو الناس والعياذ بالله؛ فالناس ليسوا من صنع الأئمة وخلقهم. بل شخصية الناس هي من خلق الأئمة. شخصية الناس هي نتيجة تربية وهداية وإرشاد الأئمة.
هذا ما يقوله إمام الزمان (عجل الله تعالى فرجه الشريف). يقول: «الْحَقُّ مَعَنَا»؛ الحق معنا. ولا نستوحش ممن يقعد عنا. هذا أصل وأساس. جملة قصيرة واحدة تحمل لنا عدة محاور ونقاط مفصلية.
وبالطبع، لا ينبغي لنا أن نظن أننا الحق المطلق؛ كلا، لا ينبغي أن نفكر هكذا لنقول إن كل ما نقوله حق، وكل ما يخالفه باطل. بل المسار العام لمدرسة أهل البيت (عليهم السلام) هو الحق.
يجب على الإنسان أن يكون محوراً للحق. يجب أن يستقيم على الحق. فلا ينبغي أن يكون هناك خوف أو وحشة من ابتعاد الآخرين واعتزالهم… يجب الثبات والرسوخ على الحق والتمسك به.
فإذا أردنا أن نخطو خطوة لإمام الزمان (عج) تنال رضاه، فيجب أولاً أن نجعل من أنفسنا صنائع الأئمة. فإلى أي مدى يمكننا القول إن شخصيتنا من صنع الأئمة؟ لنقس هذا، إلى أي حد هي من صنع الأئمة؟ وإلى أي حد هي من بناء الأئمة؟ يتضح هذا عندما يقيس المرء نفسه بميزانهم. وبعد ذلك، يجب أن نرى إلى أي مدى يمكننا أن نجعل الناس صنائع للأئمة؟ هذه رسالة مهمة يجب علينا نحن الذين ندعي الجندية لإمام الزمان (عج) أن نتابعها الآن.
فكيف يريد إمام الزمان (عج) هداية الناس الآن؟ إن نفعه للناس كنفع الشمس خلف السحاب. ولكن إحدى أسباب وسبل ذلك هم هؤلاء الأفراد الذين يُعرفون كجنود له. وأفضل وأنجع وأهم عمل يقع على عاتقنا ويمكن أن يحقق رضاه، هو أن نربي أنفسنا أولاً بحيث يمكننا القول إننا من صنعهم وتربيتهم، ثم نربي الناس على هذا المسار.