الجلسة السادسة والسبعون، أصالة البراءة، أدلة البراءة، الدلیل الثاني
الجلسة السادسة والسبعون
أصالة البراءة – أدلة البراءة – الدلیل الثاني: الروایات – الروایة الأولی: حدیث الرفع – دراسة دلالة حدیث الرفع – 2. “ما” الموصولة – الأمر الثاني: دراسة اختصاص وعدم اختصاص “ما” بالشبهات الموضوعیة – الطرق الخمسة – الطریق الثاني – إشکال المحقق الخوئي علی الطریق الثاني – إشکال بعض الأعلام علی الطریق الثاني – شرح رسالة الحقوق – حق الصوم: معرفة حقیقة الصوم – حقیقة الصوم: ضبط الواردات والصادرات الجسمیة والذهنیة
2 شعبان 1447هـ
خلاصة الجلسة السابقة
کان الکلام في الطریق الثاني من الطرق المثبتة لاختصاص حدیث الرفع بالشبهات الموضوعیة. والطریق الثاني هو وحدة السیاق نفسها. وکما تقدم بیانه، فقد أُجیب عن هذا الطریق بأجوبة عدیدة. وقد طرح المحقق العراقي جوابین تم بحثهما والنظر فیهما. وثمة جواب آخر ذکره المحقق الحائري، وهو کلام متین بالإنصاف. وقد ذکر المرحوم السید الخوئي تقریباً المطالب نفسها التي ذکرها المحقق الحائري، مع اختلاف في التعبیر وذکر أمثلة أخری؛ وإلا فإن روح کلامه في الواقع هي نفسها.
جواب المحقق الخوئي عن الطریق الثاني
قال السید الخوئي: إن الموصول في جمیع فقرات هذا الحدیث قد استُعمل في معنی واحد، وهو المعنی الحقیقي للموصول بمعنی “الشيء” المبهم؛ ولهذا عُدّ الموصول من المبهمات. غیر أن هذا الإبهام یرتفع بمجيء الصلة، فالصلة تُبیّن الموصول. وعلی هذا الأساس، فإن “رُفع ما لا یعلمون” بمعنی “رُفع الشيء الذي لا یعلمون”، و”رُفع ما لا یطیقون” بمعنی “رُفع الشيء الذي لا یطیقون”. إذن، فإن الموصول في جمیع هذه الموارد قد استُعمل في معنی واحد، إلا أن کل واحدة من هذه الفقرات تنطبق عند مقام الانطباق علی المصداق الخارجي علی أمر معین. فعلی سبیل المثال، الشيء المُکرَه علیه ینطبق علی الفعل الخارجي؛ أي إن الذي أُکرهتم علیه هو الذي یُرفع، وما أُکرهتم علیه في الخارج هو فعل. وکذلک “ما استُکرهوا علیه” یشیر أیضاً إلی الفعل الخارجي. لکن هذا لا علاقة له بـ”ما” الموصولة، بل في مقام الانطباق الخارجي ینطبق علی الفعل. أما في “ما لا یعلمون” فإن هذه العبارة تنطبق علی الحکم وعلی الفعل معاً؛ ویمکن أن تنطبق علیهما کلیهما. وسبب ذلک هو نفس الصلة، إذ إن الصلة في هذه الموارد مختلفة، وهذا ما یوجب الاختلاف في الانطباق الخارجي. وإلا فإن “ما” في جمیع هذه الفقرات استُعملت في معناها الحقیقي نفسه، أي الشيء المبهم، وعندما نصل إلی مقام الانطباق الخارجي نلاحظ أن إحداها تشیر إلی الفعل والأخری تشیر إلی الفعل والحکم معاً، فقد یکون الفعل مجهولاً وقد یکون الحکم کذلک.
ثم یضرب مثالاً فیقول: فعلی سبیل المثال، لو قیل “ما ترک زید فلوارثه”، وقیل أیضاً “ما ترک عمرو فلوارثه”، وکذلک “ما ترک خالد فلوارثه”، فإن وحدة السیاق محفوظة هنا. فـ”ما” في جمیع هذه الموارد شيء واحد، لکن في مقام الانطباق الخارجي، تارة تشیر “ما ترک” إلی بیت، لأن زیداً لیس له سوی بیت، وتارة تشیر إلی أرض، لأن عمراً لیس له سوی أرض، وتارة تشیر إلی أشجار وبستان، لأن خالداً لیس له سوی بستان وأشجار. وهذا الأمر لا یوجب اختلافاً في السیاق، لأن ما یرتبط بالانطباق الخارجي لا علاقة له بسیاق الجملة وفقرات هذا الحدیث، و”ما” في جمیع هذه الفقرات استُعملت في معنی واحد؛ ولذا تنتفي مسألة إثبات اختصاص حدیث الرفع بالشبهات الموضوعیة استناداً إلی وحدة السیاق.
وروح هذا البیان هي نفس بیان المحقق الحائري، وهو کلام متین یمکننا أن نقبله أیضاً.
وإلی هنا ذکرنا الطریق الثاني، کما ذکرنا ثلاثة أجوبة عن هذا الطریق، عدا جواب المحقق العراقي الذي وقع موضع الإشکال في کلا قسمي کلامه، أما جواب المحقق الحائري والمرحوم السید الخوئي فیبدوان مقبولین.
الجواب الرابع عن الطریق الثاني
وثمة جواب آخر نقله صاحب “منتقی الأصول”، وقد أورد علیه إشکالاً. فلیتأمل القارئ في أصل هذا الجواب، لنری بعد ذلک هل الإشکال الوارد علیه صحیح أم لا.
إن الطریق الثاني یسعی، علی أساس وحدة السیاق، إلی إثبات اختصاص حدیث الرفع بالشبهات الموضوعیة. والجواب الرابع مبنيٌّ علی التفکیک بین “الإرادة الاستعمالیة” و”الإرادة الجدّیة”. بمعنی أن وحدة السیاق، هل هي في الإرادة الاستعمالیة أم في الإرادة الجدّیة؟ ولا بدّ من النظر في أن ما یمکن أن یُثبت الاختصاص موجود في أيّ من هاتین الإرادتین. وهذا هو لُبّ جوابه.
وأصل الکلام هو أنه یقول: في فقرات هذه الروایة، لا فرق بین هذه الفقرات من حیث الإرادة الاستعمالیة في “ما”. أي إن “ما” الموصولة في “ما لا یعلمون”، و”ما لا یطیقون”، و”ما استُکرهوا علیه”، و”ما اضطروا إلیه” قد استُعملت في شيء واحد. ففي “ما” إرادة استعمالیة واحدة موجودة في جمیع هذه الموارد علی نحو واحد. لکن توجد هنا أیضاً إرادة جدّیة، وثمة فرق بین تلک الإرادات الجدّیة، ولا وحدة سیاق هناک. فمثلاً، الإرادة الجدّیة في “ما اضطروا إلیه” تعلّقت بالفعل. أي حینما یقول “رُفع عن أمتي ما اضطروا إلیه”، فإن المعنی أن الذي رُفع عن الأمة هو نفس الفعل المضطرّ إلیه. وکذا الحال في “ما استُکرهوا علیه”، وکذا في “ما لا یطیقون”، ففي جمیع هذه الموارد تعلّقت الإرادة الجدّیة بالفعل. أما في “ما لا یعلمون” فإن الإرادة الجدّیة تتعلّق بالفعل وبالحکم معاً.
وتلک الوحدة في السیاق التي استند إلیها المستدل موجودة في الإرادة الاستعمالیة، لکن لا منافاة في أن تکون هذه الإرادات الجدّیة مختلفة فیما بینها. وحینما یکون المراد الجدّي مختلفاً، فإنه یمکن أن یکون المقصود من “ما لا یعلمون” الشبهات الموضوعیة والشبهات الحکمیة معاً.
وهذا الجواب یرید أن یقول: إن وحدة السیاق موجودة، لکن وحدة السیاق لا توجب أن نقول إن المقصود في جمیع فقرات هذا الحدیث هو الفعل الخارجي؛ لأن وحدة السیاق تتعلّق بالإرادة الاستعمالیة. أما کون المقصود في هذه الفقرات هو الفعل أو الحکم أو کلیهما، فهذا یرتبط بالمراد الجدّي للمتکلم. فلا یرد إذن أيّ خلل أو إشکال في شمول حدیث الرفع للأحکام، أو بتعبیر آخر، للشبهات الحکمیة.
السؤال:
الأستاذ: علی العکس تماماً، لو أننا اعتبرنا المراد الاستعمالي في جمیع هذه الفقرات “شیئاً مبهماً”، فلا یوجد أيّ أثر للفعل أو الموضوع فیه. لکن حینما یدخل في دائرة المراد الجدّي، فإنه یشمل کلیهما… لا، لیس بالضرورة أن یکون هناک تطابق.
والفرق بین هذا الجواب وجواب المحقق العراقي والمحقق الخوئي یکمن في هذه النقطة بالذات. ففي ذینک الجوابین نُقل الاختلاف إلی مرحلة الانطباق الخارجي؛ إذ قیل إن المعنی واحد في کل مکان، وإن المستعمل فیه واحد، لکن حینما یراد ربطه بالانطباق الخارجي، یصبح في موضع فعلاً، وفي موضع آخر یصبح الأمرین معاً. وکان ارتکاز ذینک الجوابین علی هذا الأساس؛ أي إنهما أخرجا المسألة من مرحلة الاستعمال ومن دائرة الکلام؛ أما هذا الجواب فقد رجع إلی الخلف قلیلاً. أي إنه یرید أن یقول: قبل أن نصل إلی مقام الانطباق الخارجي، فإن الأمر أساساً لا علاقة له بکون المنطبق في الخارج هو الفعل أو هو متعلق بالحکم. یقول: إن المتکلم نفسه، إرادته الجدّیة تعلّقت في موضع بالفعل، وفي موضع آخر بالأعم من الفعل والحکم.
وهذا أشبه بالقرینة المتصلة والمنفصلة في کلام المتکلم. فإذا قلنا إن هذه إرادة جدّیة، فمن الطبیعي أنه لا یمکننا – بلا قرینة – أن نُفرّق بین المراد الجدّي والمراد الاستعمالي. وإذا لم تکن هناک قرینة، فنعم، کما تفضلتم، یجب أن نحکم بالتطابق. لکن حینما توجد قرینة، فإننا مضطرون إلی إیجاد هذا الفرق. وفي هذه الحالة لا یمکننا أن نرجع إلی أصل التطابق بین المراد الجدّي والمراد الاستعمالي.
“ما” الموصولة لها معنی عام یشمل کل أمر مجهول (أعم من الحکم والفعل، الشبهات الحکمیة والشبهات الموضوعیة). وفي الموارد الأخری کـ”ما لا یعلمون”، و”ما لا یطیقون”، و”ما استُکرهوا علیه”، و”ما اضطروا إلیه” کذلک أیضاً. لکننا نری أن “ما لا یطیقون” لا یمکن أن یکون المقصود منها الحکم؛ لأن تعلّق الطاقة بالحکم لا معنی له أساساً. ولذا فنحن مضطرون إلی تقییدها؛ أي إنه بهذه القرینة یتضح المراد الجدّي للمتکلم، وهو أن تعلّق الطاقة بالحکم لا معنی له، فنحن مضطرون إلی تقییدها، ولذا نقول إن المراد الجدّي هو الفعل فقط. وکذلک الحال في الإکراه والاضطرار، فإن الإکراه علی الحکم – کما هو معلوم – لا معنی له. وهذا بنفسه یصبح قرینة، وهي لیست قرینة لفظیة، لکنها قرینة في النهایة، بل هي قرینة متصلة أیضاً تُحدِّد لنا تکلیفنا هنا. أما في “ما لا یعلمون” فلا محذور في أن یتعلّق الجهل – مثلاً – بالحکم وبالفعل معاً، سواء کان ذلک بواسطة أم لا.
وقد أورد صاحب “المنتقی” إشکالاً علی هذا الجواب.
شرح رسالة الحقوق
ذکرنا أن الإمام السجاد (علیه السلام) قال إن حق الصوم أن تعلم «أنَّهُ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِکَ وَسَمْعِکَ وَبَصَرِکَ وَفَرْجِکَ وَبَطْنِکَ…».
وقد بیّنا في الجلسات السابقة ما هي أهمیة الصوم، کما بیّنا أساساً ما معنی أن تکون عبادة ما ذات حق. وهذا لا یختلف الآن، سواء أکان صوماً أم صلاة أم حجاً. فکل عبادة یراد لها أن تکون ذات حق لا بد أن تُتصوَّر. کیف یمکن أساساً أن تکون عبادة ما ذات حق؟
حق الصوم: معرفة حقیقة الصوم
في موضوع الصوم أیضاً، وکما في الموارد السابقة، فإن أول وأهم حق من حقوق الصوم – کسائر العبادات – هو معرفة حقیقة الصوم. یقول: «فَأَنْ تَعْلَمَ». لا یقول إن حق الصوم أن لا تأکل، ولا تشرب، ولا تفعل کذا. وکان بإمکان الإمام (علیه السلام) أن یقول: «وأما حق الصوم، إمساکک عن الطعام والشراب…»، فذلک هو الصوم نفسه. لکن ما هو حق الصوم؟ یقول: «أَنْ تَعْلَمَ». فمعرفة منزلة الصوم هي أهم حق من حقوقه. وفي الصلاة أیضاً: «فَإِنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ کذا»، وفي الحج کذلک. فأهم حق لکل عبادة هو معرفة تلک العبادة.
حقیقة الصوم: ضبط الواردات والصادرات الجسمیة والذهنیة
فما الذي ینبغي أن نفهمه؟ قبل الصوم: «أَنْ تَعْلَمَ أَنَّهُ حِجَابٌ ضَرَبَهُ اللهُ عَلَى لِسَانِکَ وَسَمْعِکَ وَبَصَرِکَ وَفَرْجِکَ وَبَطْنِکَ». یقول: هذا حجاب وستار یضعه الله علی لسانک، وسمعک، وبصرک، وفرجک (عورتک)، وبطنک. ومع أنهم لم یذکروا ضمن واجبات الصوم – مثلاً – أن تحفظ أذنک، فإن ما ذُکر بوصفه مبطلات للصوم معلوم؛ إذ ذکروا نحو عشرة أو أحد عشر أمراً بوصفها مبطلات للصوم، وهي ما یُبطل الصوم، لکن حقیقة الصوم أبعد من هذه الأمور. یقول الإمام (علیه السلام): إن حقیقة الصوم حجاب یُسدَل علی أعضاء الإنسان وجوارحه. فما هي هذه الأعضاء؟ هذه الأعضاء جمیعها منافذ ورود الجسم والروح، أي واردات الإنسان وصادراته معاً.
إن أجسادنا لها واردات من الناحیة الجسمیة، کما لها مدفوعات أیضاً. فجسم الإنسان یأکل الطعام، ثم یدفع هذا الطعام بعد أن یمرّ بمراحل معینة. لکن له واردات أیضاً من طریق السمع والبصر. فأذن الإنسان حین تسمع شیئاً، فإن هذا الشيء یستقر في ذهن الإنسان، تماماً کالطعام الذي یأکله الإنسان ویذهب إلی الجهاز الهضمي؛ فمسموعات الإنسان تذهب أیضاً إلی الجهاز الهضمي للذهن. وعین الإنسان حین تری شیئاً تضعه في الذهن، إلا أنه قد تُجری أحیاناً عملیات علی هذه الصورة؛ فتتحول هذه الصور إلی تخیلات، وتتوالد علی هذا النحو، سواء المسموعات أو المرئیات. وقولنا إن لها تولّداً یعني أن الإنسان یمکنه أن یفعل بهذه المدرکات آلاف الأمور. وهذه کلها مدرکات ذهن الإنسان ونفسه وروحه.
لکن له صادرات أیضاً، وله دفع أیضاً. فالإنسان یستطیع باللسان أن یُفرغ إلی الخارج ما تلقّاه ذهنه. وهذا الجذب والدفع موجود في جسدنا وفي روحنا معاً. فالبطن له جذب ودفع، والفرج له جذب (المقویات) ودفع. والعین والأذن واللسان هي بوابات ورود البیانات إلی الذهن؛ أي التصویر والتسجیل والاستماع. فکل ما تراه في الشارع أو تسمعه طوال الیوم یذهب في تلک اللحظة نفسها إلی الذهن ویستقر في موضع ما، وعندئذ یتوقف الأمر علی مقدار اهتمامک أنت بالاحتفاظ به. وقد یکون هذا أمراً علمیاً نافعاً، وقد یکون أمراً باطلاً أو لغواً، وقد یکون – لا سمح الله – صورة غیر سویة. وقد تبقی هذه الأمور علی حالها الخام، وقد تُجری علیها عملیة ذهنیة، وهذا أیضاً بید الإنسان نفسه.
وکلما کانت قدرة الإنسان علی ضبط المدخلات أقوی، کان الإنسان أکثر سیطرة علی نفسه. وکلما قلّت هذه القدرة وزاد الانفلات، ازداد الأمر صعوبة. لکن إذا کانت البوابة ذات باب، ولها حجاب وضابط، فإن قدرة الإنسان وتمکّنه من نفسه یکونان أکبر.
یقول أمیر المؤمنین (علیه السلام) عن الصوم: «تَسْکِیناً لِأَطْرَافِهِمْ وَتَخْشِیعاً لِأَبْصَارِهِمْ وَتَذْلِیلاً لِنُفُوسِهِمْ وَتَخْفِیضاً لِقُلُوبِهِمْ»؛ فالصوم في الواقع من أجل أن یُهدّئ الناس أعضاءهم عن المعصیة، وتخشع أبصارهم، وتتواضع نفوسهم وتذلّ، وتنخفض قلوبهم عن التعالي والاستکبار. وهذه هي حقیقة الصوم.
والإمام السجاد (علیه السلام) یقول الشيء نفسه، فیقول: هذا حجاب جعله الله تبارک وتعالی علی هذه الأعضاء؛ هذه الأعضاء التي هي طرق الواردات الجسمیة والذهنیة. أي إن الإنسان لو استطاع أن یضبط هذه الواردات الذهنیة والجسمیة لکان قد فعل أمراً عظیماً جداً. وقد أوجب الله الصوم علی الإنسان مرة واحدة في السنة لیضبط هذه الواردات الذهنیة. فالصوم تمرین علی ضبط الواردات الذهنیة والجسمیة. ولذا تری أن جملة من الأمور الحلال والمباحة تصبح غیر جائزة، أما المحرمات فحدّث عنها ولا حرج…