الدرس الثامن والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني
الدرس الثامن والخمسون
أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة سند الرواية – إشكال المحقق الخوئي – الجواب
25 جمادى الآخرة 1404 هـ
الدليل الثاني: الروايات
انقضى الكلام في الخصوص والبحث المتعلق بالدليل الأول على قاعدة البراءة؛ حيث جرى استعراض جملة من آيات الكتاب الكريم وإخضاعها للدراسة، لتخلص النتيجة إلى جواز الاستشهاد بالقرآن الكريم وصلاحيته لإثبات قاعدة البراءة الأصولية.
وثمة دليل ثانٍ يعتمد عليه الأصوليون في هذا الميزان وهو الروايات المأثورة عن المعصومين (عليهم السلام).
الرواية الأولى: حديث الرفع
والرواية الأولى -وهي العمدة والأساس في هذا الباب، والتي أفاض الأعاظم والعلماء في تبيين فقهها ومضمونها بحسب الصناعة- هي “حديث الرفع”. وقد رُويت هذه الرواية بطرق شتى وصور متعددة في مجاميع الحديث.
ولعل المصنف الأول والراوي الأقدم الذي تصدى لنقل هذه الرواية في كتابه هو صاحب “المحاسن” أحمد بن محمد البرقي؛ غير أن النسخة الواصلة إلينا والموجودة من كتاب المحاسن قد اشتملت على لفظ “الوضع” بدلاً من لفظ “الرفع”، وعلاوة على ذلك فقد اقتصرت على ذكر ثلاثة أمور فحسب عوضاً عن الأمور التسعة الدارجة. ونص الرواية في كتاب المحاسن جاء على هذا النحو: «وُضِعَ عَنْ أُمَّتِي ثَلَاثُ خِصَالٍ»؛ وهذه الخصال الثلاثة على ما نقله المحاسن هي: الخطأ، والنسيان، وما استُكرهوا عليه.
أما في كتاب “الكافي”، فقد أورد السند والمطلب المرحوم الكليني بطريقين اثنين؛ حيث اقتصر في أحد الطريقين على ذكر أربعة أمور، بينما استوعب الطريق الآخر ذكر تسعة أمور بالتمام.
ففي النقل الأول جاء السند كالتالي: حسين بن محمد، عن معلى بن محمد، عن أبي داوود، قال: حدثني عمر بن مروان؛ قال: سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): «رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي أَرْبَعَ خِصَالٍ: خَطَاهُمْ، وَنِسْيَانَهُمْ، وَمَا أُكْرِهُوا عَلَيْهِ، وَمَا لَا يُطِيقُونَ …». فهذا هو النقل المستوعب للأمور الأربعة. وفي ذيل هذا النقل نفسه، أفاد الإمام الصادق (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بقوله: «وذلك قول الله عزوجل: (رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ) (البقرة: 286)». فكأن هذا الكلام الصادر عن النبي مستند في جوهره وعماده إلى آية الكتاب الكريم.
والرواية الأخرى التي تصدى الكليني لنقلها هي المشتملة على الأمور التسعة، وهي عينها محل البحث والمدار في مقامتنا هذه. وكذا نقلها المرحوم الشيخ الصدوق في كتبه الثلاثة: “من لا يحضره الفقيه”، و”التوحيد”، و”الخصال”، مرسلة ومسندة بذكر الأمور التسعة. وبناءً عليه، فإن حديث الرفع قد تنوع نقله في جوامع الحديث عند الشيعة من حيث المتن إلى ثلاث صور متباينة: ففي موضع جاء ذِكر ثلاثة أمور، وفي موضع ثانٍ أربعة أمور، وفي موضع ثالث تسعة أمور. والمعروف المشهور الذي دارت عليه كلمات العلماء هو النقل الأخير المشتمل على الأمور التسعة.
وقد ورد هذا الحديث أيضاً في جوامع الحديث عند أهل السنة كـ “صحيح البخاري” و”کنز العمال” وبعض المصنفات الأخرى؛ بيد أن مدار بحثنا في هذا المحفل إنما ينعقد حول الرواية المروية بطريق الشيخ الصدوق والمرحوم الكليني فحسب.
ويُلاحظ استناد الفقهاء إلى هذه الرواية في مواضع عديدة من الفقه؛ منها ما يرجع إلى كتاب الصلاة وغيره من الأبواب؛ ولأجل هذه الأهمية البالغة حظيت الرواية بعناية كبرى في المجامع العلمية؛ ومن ثم يتعين علينا إخضاعها لدراسة جامعة تليق بمقامها الفقهي.
وقد نقل المرحوم الكليني هذه الرواية في كتاب “الإيمان والكفر” من الجامع الشريف الكافي، في الجزء الثاني منه، تحت عنوان مفرد هو: “باب ما رُفع عن الأمة”. كما أوردها صاحب “وسائل الشيعة” في كتاب الجهاد، في الباب السادس والخمسين من أبواب جهاد النفس.
دراسة سند الرواية
إن سند هذه الرواية على ما ذهب إليه المشهور موصوف بالصحة؛ بل الدارج في بطون الكتب التعبير عنها بـ “الصحيحة” أو أنها مروية بسند صحيح عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). ولكن التساؤل الفعلي: لِمَ وُصفت هذه الرواية بالصحة؟ وما هي طبيعة الإشكالات التي أوردها بعض المحققين على سندها؟ وهل يقوى الباحث صناعةً على القول بصحة هذا السند أم لا؟
إن العقدة الرئيسية والمشكل الأساس في السند يرجع إلى راوٍ واحد دارت حوله كلمات الرجاليين والمحققين؛ والسند منقول كالتالي: «محمد بن أحمد بن يحيى العطار، عن سعد بن عبد الله، عن يعقوب بن يزيد، عن سهل بن زياد، عن حريز (أو حريض)، عن أبي عبد الله (عليه السلام)». والمدار في الإشكال يتجه نحو “محمد بن أحمد بن يحيى العطار”.
وقد عبّر المرحوم آية الله الخوئي (قدس سره) عن هذه الرواية بالصحيحة في كتاب أصوله، ومن ذلك ما جاء في “المحاضرات”؛ ولعل الشأن في ذلك العصر أنه لم يتوفر على الالتفات إلى هذا الإشكال، أو أن نظره الشريف لم يستقر عليه يومئذٍ؛ وعلى كل حال، فإن مبناه المستقر يسوق إلى عدّ الراوي المذكور مجهول الحال. ومن الواضح أنه لو ثبت كونه مجهول الحال لورد الإشكال بالتمام، وإذ كيف يستقيم وصف الرواية بالصحة مع تضمن سندها راوياً مجهول الحال؟
إشكال المحقق الخوئي
ويقرر المحقق الخوئي في وجه إشكاله: أن كتب الرجال المتقدمة قد خلت عريضاً من أي توثيق خاص في حق هذا الشخص. وجاء في متن السند لفظ «محمد بن أحمد بن يحيى العطار»، غير أن الظاهر بحسب الموازين الصناعية وطبقات الرواة أنه «أحمد بن محمد بن يحيى العطار»؛ لكونه من مشايخ الشيخ الصدوق الذين يروي عنهم. وقد سُجل في حق هذا الفرد انتفاء التوثيق الخاص من قِبل المتقدمين من علماء الرجال، كما لا عين للتوثيق العام في حقه؛ والموارد التي أُثيرت بوصفها توثيقات عامة في شأنه هي أمور ثلاثة يبدو أن المرحوم آية الله الخوئي لم يرتضِ شيئاً منها ولم يقع لديه موقع القبول.
وهذه الأمور هي: أولاً: أن «أحمد بن محمد بن يحیى العطار» قد وُثق من قِبل المتأخرين. وثانياً: أن جملة من الأجلاء والأعاظم قد أكثروا الرواية عنه ونقلوا من طريقه. وثالثاً: أنه يُعدّ من “مشايخ الإجازة”. والمحقق الخوئي يرى أن توثيق المتأخرين لا يحل المشكلة صناعة؛ نظراً إلى أنه مبني على الحدس والاجتهاد فلا يكون مفيداً للوثاقت الصادرة عن الحس. وكذا كثرة رواية الأجلاء عنه أو “إکثار الرواية” لا تنهض بنظره لإثبات الوثاقة والاعتبار؛ كما أن كون الشخص من مشايخ الإجازة لا يثبت وثاقته بأي وجه.
وأنا سأعرض لتبيين هذه الأمور الثلاثة بشيء من الإيجاز، ليتضح بعد ذلك هل تقوى هذه الوجوه على إثبات اعتبار «أحمد بن محمد بن يحيى العطار» أم تقع في حيز المنع؟
وهذا البحث موطنه الأصيل هو علم الرجال، وقد أفدنا فيه القول مفصلاً في كتابنا “مسائل بنيادية علم رجال” (المسائل الأساسية في علم الرجال) فيمكنكم مراجعته هناك. وحاصل المطلب: أنه إذا خلا الراوي من التوثيق الخاص وصار مجهول الحال بهذا المعنى (مع انتفاء القدح في حقه بطبيعة الحال)، ورأينا أن الأجلاء والأعلام المعروفين في عالم الحديث يروون عنه بكثرة، فإن هذا “الإكثار” وكثرة نقل الأجلاء يُمثل عند بعض أو كثير من المحققين دليلاً كاشفاً عن وثاقة هذا الشخص واعتباره.
والطريق الآخر المذكور في الباب هو كون الشخص من “مشايخ الإجازة”. وحقيقة شيخ الإجازة تفيد أن يعمد المحدث إلى إعطاء إجازة لِتلميذه أو لغيره بنقل مروياته وكتبه. ونقل الحديث تارة يتخذ صورة المشافهة المباشرة؛ بأن يقول الراوي: «سمعتُ عن فلان كذا»، فيسوق سلسلة السند ومتن الرواية بالتمام. وتارة أخرى يعمد أصحاب الأصول والمصنفات الحديثية إلى إعطاء إجازة عامة بنقل جميع الروايات المستقرة في ذلك الأصل أو الكتاب؛ فبدلاً من قراءة الروايات واحداً تلو الآخر، يجيز لغيره أن يروي عنه ذلك الكتاب بأكمله. وعلى هذا الأساس انقدحت جماعة في مجاميع الحديث عُرفوا بـ “مشايخ الإجازة”، وهذا المقام مغاير لِمجرد ناقل الرواية بالمشافهة. وأحمد بن محمد بن يحیى العطار يندرج ضمن هؤلاء المشايخ؛ أي إنه أذن للآخرين برواية كتبه ومروياته.
وفي علم الرجال فرقة موصوفة بمشايخ الإجازة، وحينما يصدر الشيخ إجازته للنقل، فهو في واقع الأمر يثبت اتصال سند “المستجيز” (وهو طالب الإجازة) بذلك الكتاب؛ فيغدو المستجيز متصلاً بسلسلة السند من طريق هذه الإجازة، وهي سلسلة تمتد صُعوداً حتى تصل إلى الراوي الأول عن الإمام (عليه السلام) أو النبي (صلى الله عليه وآله وسلم). وقد قرروا في المقام أن هذا الرجل هو من مشايخ الإجازة للشيخ الصدوق؛ ومن ثم متى ما نقل الشيخ الصدوق هذا الكتاب، ثبت اعتبار الرواية المنقولة من طريقه. وذهب فريق من الأعلام إلى أن نفس الرتبة والمقام لشيخ الإجازة تنهض بنفسها لتكون نوعاً من التوثيق، أو هي قائمة مقام التوثيق الخاص بديلةً عنه، فلا يعود للباحث حاجة في تطلب توثيق خاص مفرد لكل راوٍ متصف بهذا الوصف.
فالحاصل أن هذا الشخص (أحمد بن محمد بن يحيى العطار)، علاوة على توثيق المتأخرين له، قد روى عنه جمع من الأجلاء والأعلام، وهو فوق ذلك من مشايخ الإجازة؛ ومع اجتماع هذه القرائن بأسرها، نجد أن المرحوم آية الله الخوئي يصر على عده مجهول الحال؛ ومن الواضح أنه مع القول بجهالة الراوي يمتنع وصف السند بالصحيح أو التعبير عنه بالصحيحة بلسان «قال رسول الله: رُفع عن أمتي…». ولهذا الاعتبار أُورد الإشكال على السند ونُعت بعدم الاعتبار.
الجواب
والذي يقتضيه التحقيق العلمي في هذا المقام: أن هذه الرواية -وعلى وفق ما سار عليه المشهور وصرح به الأعاظم كالشيخ الأنصاري، والمحقق الأصفهاني، وصاحب الفصول، والمرحوم الآخوند الخراساني، والمرحوم النائيني وسائر الأكابر- هي رواية صحيحة السند؛ وهي معتبرة ومقبولة صناعةً؛ وجمهور الأصوليين من المتأخرين يذهبون إلى اعتبار سندها ووصف الرواية بالصحة.
ولنفرض جدلاً أن هذا الراوي قد خلا من التوثيق الخاص المفرد؛ فهل يقوى الفقيه على إثبات وثاقته بالاستناد إلى مجموع الأمور الثلاثة المتقدمة (توثيق المتأخرين، وكثرة رواية الأجلاء عنه، ومقامه في مشايخ الإجازة)؟ والحق أن انضمام هذه القرائن وتكاملها كافٍ في إفادة التوثيق لـ «أحمد بن محمد بن يحيى العطار».
وثمة نكتة أخرى تجدر الإشارة إليها؛ وهي أن مجرد إيراد الرواية ونقلها في كتاب “الكافي” كافٍ ومجزٍ لإثبات اعتبار الرواية على وفق مبنانا الأصولي؛ وعليه يتأيد المطلب بوجوه أربعة:
أولاً: أن المرحوم الكليني قد أودع هذه الرواية في جامعه الشريف “الكافي”، ونحن نذهب لِاعتبار روايات الكتب الأربعة بالعموم.
ثانياً: أن الأجلاء قد نقلوا عن هذا الراوي روايات جمة وفيرة (ولعلها تناهز مائة رواية في كتاب الكافي وحده)؛ وهذا الإكثار الكثيف في النقل -ولا سيما عند قياسه بمن لم يرووا عنه إلا روايتين أو ثلاثاً في بطون الكتب- يُعد كاشفاً لغوياً وعرفياً عن وثاقته واعتباره.
ثالثاً: وأيضاً يُضاف إلى ذلك كونه من مشايخ الإجازة للشيخ الصدوق؛ والأقل في هذا الباب أن الرواية المذكورة في كتاب “الخصال” للشيخ الصدوق قد جرى نقلها بسنده الشريف، وأحد مشايخ الإجازة في ذلك السند هو عينه «أحمد بن محمد بن يحيى العطار».
رابعاً: كما أن توثيق المتأخرين يصلح أن يكون مؤيداً وعاضداً في المقام، وإن منعنا من كونه دليلاً مستقلاً في نفسه.
وبناءً على هذا، لعل المتأخرين إنما بادوا إلى توثيقه بخصوصه واعتباره استناداً إلى هذه القرائن المجتمعة من كثرة نقل الأجلاء ومقامه في مشايخ الإجازة. وكذا كان المرحوم الإمام الخميني (قدس سره) والمرحوم آية الله البروجردي (قدس سره) وغالب الأصوليين من المتأخرين يذهبون إلى القول بصحة سند هذه الرواية واعتبارها.
بحث الجلسة المقبلة
والذي نرتضيه تلو المباحث التفصيلية المقررة في موطنها هو تمامية هذا المذهب وقبوله؛ بيد أن المرحوم آية الله الخوئي قد سجل إشكالاً على هذه الأدلة وامتنع عن قبولها؛ ويتعين علينا الآن النظر في أن إشكالاته هل هي واردة هاهنا بالصناعة أم لا؟ وعلى فرض ورودها، فهل يلوح في الأفق طريق آخر لتصحيح سند الرواية واعتباره أم ينغلق الباب؟ وهذا البحث محوط بنكات تکميلية سنعرض لتفصيلها في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تعالى.