The news is by your side.

الدرس العشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس العشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثاني: الورود – التقريب الأول ودراسته – التقريب الثاني

19 ربيع الآخر 1447 هـ

القول الثاني: الورود

تكلمنا حتى الآن عن ملاك تقديم الأمارات على الأصول من زاوية “التعارض والتخصيص”؛ حيث بيّنّا حقيقة هذا الملاك الخاضع للموازنة والمحاكمة الفقهية؛ لنخلص عاقبة المطاف إلى انتفاء تماميته وصلاحيته للقبول فقهياً وصناعياً.

وثمة ملاك ومبنى آخر مصور في تبيين وجه تقدم الأمارات على الأصول العملية وهو “الورود”. فيرى فريق من الأصوليين ورود الأمارات على الأصول العملية بالاصطلاح؛ وقد أوضحنا سابقاً أن حقيقة الورود تقتضي إزالة الدليل الوارد لموضوع الدليل المورود ورفعه، غير أن هذا الرفع خروج موضوعي تعبدي شرعي وليس خروجاً حقيقياً تكوينياً ذاتياً؛ فالدليل الوارد يتصرف في مساحة الدليل المورود ليخرج فرداً عن حيز موضوعه بالتعبد ويرفع موضوعه بالكلية بالتبع. وهذا هو مجمل تبيين حقيقة الورود الأصولي.

وتتعدد التقارير والتوجيهات المصورة لكيفية إزالة الدليل الوارد لموضوع المورود في المقام، حيث سُجلت ثلاثة تقارير للمسألة؛ أي إن لملاك الورود الأصولي ثلاثة تقارير وتوجيهات أصولية متباينة، ويتعين علينا نقل هذه التقارير الثلاثة وإخضاعها للدراسة والموازنة. وقد تكفلت كلمات المحقق النائيني (قدس سره) بعرض هذه الوجوه وتفصيلها.

وتلتقي هذه التقارير والوجوه الثلاثة في ركيزة وجوهر مشترك؛ وهو تصدّيها لتبيين ورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية؛ مع تباينها في صياغة كيفية النظارة والورود؛ إذ تتعدد الوجوه المصورة للقول بورود دليل على آخر بالصناعة. ونحن سنعرض لبيان هذه التقارير الثلاثة هاهنا، ونتابع محاكمتها ودراستها واحداً تلو الآخر.

التقريب الأول

ومفاد التقريب الأول في وجه ورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية، يرتكز على أن أدلة الأصول العملية -كأصالة الحلية أو أصالة البراءة مثلاً- قد قُيدت بالشك؛ بعبارة: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ». وكذا أدلة الاستصحاب الموصوفة بعبارة: «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ بَلْ انْقُضْهُ بِيَقِينٍ آخَرَ». فحضور لفظ “العلم” و”اليقين” ركن ركين في كلا الدليلين؛ حيث صِيغ في دليل البراءة بـ «حَتَّى تَعْلَمَ»، وجاء في الاستصحاب بـ «بِيَقِينٍ آخَرَ». فمقتضى الدليلين تقييد حجية الأصول العملية بالشك؛ فتستقر الأصول وتُعتبر في حق المكلف ما لم يعترض سياقها عروض العلم واليقين بالخلاف. ومثاله: حجية أصالة الطهارة بموجب «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ طَاهِرٌ»، أو أصالة الحلية بموجب «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ»؛ فكلتا القاعدتين حجة للمكلف، غير أن حجيتها تتقيد بغاية؛ وهي «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» أو «بِيَقِينٍ آخَرَ»؛ فالغاية المقيدة لاعتبار أصالة الطهارة والحلية والاستصحاب وحجيتها هي حصول العلم واليقين بخلاف مؤدى الأصل بالتمام.

والتساؤل المطروح: ما هو كنه العلم واليقين المنظور في هذه الأدلة وغايتها؟ وهل يراد به العلم الوجداني والقطع التكويني الحقيقي، أم يحمل على معنى أعم بالتبعية؟ فهل يقرر دليل أصالة الحلية مثلاً حلية الأشياء قاطبة حتى يحصل للمكلف يقين وجداني حقيقي بتحريمها؟ وهل يمنع الاستصحاب نقض اليقين السابق بالشك ما لم يحصل يقين وجداني قطعي حقيقي بالخلاف؟ فلو حُصر اللفظ في اليقين الوجداني الحقيقي، لوقع الدليلان في معترك التعارض والتماثل الذي منعنا من استقراره بالأمس؛ فالحق انتفاء إرادة اليقين الوجداني الحقيقي هاهنا. وعليه، يتعين حمل اليقين والعلم في أدلة الأصول على معنى “الحجة والدليل”؛ فقوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» يؤول بالتبع لمعنى: حتى تقوم الحجة والدليل على حرمته؛ وقوله في الاستصحاب: «بَلْ انْقُضْهُ بِيَقِينٍ آخَرَ» يؤول لمعنى: انقضه بحجة أخرى، فخذ باليقين السابق ما لم تقم حجة على الخلاف بالتمام.

بناءً على هذا الحمل، يثبت ورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية؛ نظراً لكون دليل أصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ») يقع مورداً لوارد هو خبر الواحد؛ فدليل حجية خبر الواحد وارد على دليل أصالة الحلية ومزيل لموضوعه بالكامل؛ لكون الغاية المأخوذة في قوله: «حَتَّى تَعْلَمَ» لا تقتصر على العلم الوجداني التكويني، بل تستوعب مطلق العلم الموصوف بالحجة المعتبرة قانوناً وتشريعاً.

السؤال: …

الأستاذ: متى ما ثبت الورود بالبيان المذكور، لزم من ذلك زوال موضوع الدليل المورود بالتبع وارتفاعه تلقائياً ليزاح الدليل ويخرج بالكلية.

إن قلت: إذا حملتم قيد «تَعْلَمَ» أو «يَقِين» في كلا الدليلين على معنى الحجة والاعتبار، ونفيتم إرادة القطع واليقين الوجداني الحقيقي؛ فبذات الدقة يسير الشأن في ناحية الأصل العملي؛ لكون مؤدى الأصل العملي وظيفة معتبرة وحجة في نفسها. ومتى ما ثبت اتصاف الأمارة بالأصل بالصفة الحجية على السواء، فبأي مسوغ تقررون تقديم الأمارة على الأصل هاهنا؟

الجواب: يكمن الفارق الفاصل بين دليل الأصل ودليل الأمارة المانع من تقديم الأصل على الأمارة في خلو دليل الأمارة من الغاية بالكلية، وتقييد دليل الأصل بالغاية بالصناعة اللفظية. ومثاله ما ورد في دليل أصالة الحلية: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ»؛ فالحكم بالحلية هاهنا مغيى بغاية هي عروض العلم بالخلاف؛ أي قيام حجة ودليل معتبر على الحرمة. بينما تخلو أدلة الأمارات كخبر الواحد من هذا القيد والغائية بالكامل؛ فلم يرد في دليل حجية خبر الواحد صياغة من قبيل: «خبر الواحد حجة» مقيداً بانتفاء عروض أصل عملي على الخلاف؛ بل ثبت اعتباره وحجيته دون تقييده بأية غاية. ومن ثم، يمتنع تقدم الأصل على الأمارة لكونها غير مغياة بغاية أصلاً، فحضور الأمارة يرفع موضوع الأصل ويزيله بالورود.

دراسة التقريب الأول

يبدو للناظر بدواً سلامة هذا التقريب وخلوه من الثغرات الصناعية؛ فلو غضضنا الطرف عن ظهور الأدلة لغةً وعرفاً، لاستقام التخريج وصح القول بالورود؛ غير أن إشکاله يبرز في حمل قيد العلم واليقين في الروايات على معنى “الحجة”، وحمل الشك على “اللا حجة”؛ وهو تصرف يؤول لمخالفة التبادر اللغوي والظاهر العرفي لنصوص الباب بالكامل.

ونحن سنعالج هذا التفصيل بمشيئة الله تعالى في الجلسة المقبلة لبيان مدى ملاءمة هذا الحمل لظاهر الدليل؛ لكون التساؤل الفعلي يدور مدار ما يقتضيه ظاهر الدليل فقهياً وصناعة. فإذا حُمل قوله: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» على معنى الحجة؛ فهل يسوغ العرف هذا الحمل دون قرينة واضحة؟… وبطبيعة الحال، نحن بصدد دراسة هذا المطلب بدقة… غير أن الكلام هاهنا يدور في فلك التقريب الأول فحسب… وسنرى كيف يصاغ التقريب الثاني بحمل اليقين والعلم على اليقين العرفي والاطمئنان الدارج… وتأتي رغبة المحقق النائيني في صياغة ثلاثة تقارير للمسألة لدفع هذه الخدشات وتلافي ثغراتها بالتبع.

فمقتضى التقريب الأول حمل العلم واليقين على معنى الحجة والاعتبار؛ وقد أوضحنا ما يرد عليه من إيراد ظاهر لمخالفته لظاهر الأدلة والتبادر العرفي؛ لكون حمل «حَتَّى تَعْلَمَ» على معنى حتى تقوم الحجة يفتقر لقرينة مسوغة لغوياً، وهو ما يمنع من قبوله بالكلية بالوجدان.

السؤال: …

الأستاذ: لقد ورد هذا الإشكال عينه في طيات الاعتراض المذكور؛ حيث صِيغ دليل أصالة الحلية أو البراءة بعبارة: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ». فهذه الأدلة قاطبة تندرج ضمن الأصول العملية؛ وجاءت بعبارة «حَتَّى تَعْلَمَ» لتفيد معنى الحجة؛ والقول بأن العلم واليقين الوارد في لسان أدلة الأمارات تارة وفي أدلة الأصول تارة أخرى يؤول بالتمام لمعنى الحجية والاعتبار هو تصرف واهٍ؛ وقد ناقشنا هذا التفصيل سابقاً عند تعرضنا لشبهة شمول دليل الأمارة لفرض عروض أصل معارض كالاستصحاب بالخصوص.

السؤال: أليست هذه القواعد الفقهية قواعد تشريعية تأسيسية بالذات؟

الأستاذ: ما هو مراد المكلف حال شكّه في حلية الشيء وحرمته؟ ومثاله: هل يتقيد الشك بحصول وجوب الاجتناب من عدمه، أم يدور في فلك الحرمة ذاتاً؟ يقرر الأصوليون جريان أصالة الحلية في الشبهات التحريمية كافة… نعم، وأصالة الحلية تُصنف في واقعها وجهاً وتجلياً من وجوه أصالة البراءة الشرعية في قبال البراءة العقلية (قبح العقاب بلا بيان)… ونعم، قد أشرنا إجمالاً لما يقتضيه لسان الحكومة بوجود عدة تفاسير ومبانٍ فيها، وعرضنا لتقريب الشيخ الأنصاري على وجه السرعة ثم تجاوزناه. ويقع البحث الفعلي في مدى انطباق الضوابط والمقومات المذكورة للحكومة والورود في مقامنا وتخريج التقدم بها.

التقريب الثاني

ويستند التقريب الثاني أيضاً إلى مسلك الورود لتبيين وجه التقدم؛ غير أن التصرف هاهنا ينأى عن دلالة لفظ «تَعْلَمَ» و«يَقِينٍ آخَرَ» ليتجه بدقة نحو متعلق العلم وهو “الحرام”؛ فعبارة «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» تتقيد بالتصرف في لفظ الحرام ليتسع ويفيد معنى أعم؛ تساؤله: هل المراد بالحرام في لسان الدليل هو الحرام الواقعي حقيقةً، أم يراد به معنى جامع يستوعب الحرام الواقعي والحرام الظاهري معاً؟ يقرر هذا التقريب شمول لفظ الحرام للأعم منهما؛ فحضور العلم واليقين تارة يتعلق بالحرام الواقعي، وتارة أخرى يتعلق بالحرام الظاهري؛ وعليه يتسع قوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» ليعم الحرمة الواقعية والظاهرية على السواء. ويسير الأمر على ذات النسق في لفظ «يَقِينٍ آخَرَ» المذكور في ذيل الاستصحاب؛ ليفيد حصول علم وجداني حقيقي أو يقين تعبدي ظاهري بالواقع وترتيب أثره بالتبع.

السؤال: هل يتصف اليقين بالانقسام إلى وجداني وظاهري حقيقةً؟

الأستاذ: المقصود باليقين الوجداني هو العلم المتعلق بالحكم الواقعي تكويناً. وحينما يرد قيد «حَتَّى تَعْلَمَ» أو «انْقُضْهُ بِيَقِينٍ آخَرَ»، يبرز حضور العلم واليقين في كليْهما، غير أن هذا العلم يتعلق بموضوع خارجي هو الحكم؛ وثمة حكم واقعي يستقر في ركيزة هذا الكشف التكويني. ودون تضييق اللفظ وحصره في جهة فقهية خاصة، نذهب لكون اليقين المنظور هاهنا يستوعب اليقين بالحكم الواقعي والظاهري معاً.

وبناءً على هذا الحمل، يستقيم وجه الورود وجلاؤه في المقام بالتمام؛ لكون دليل أصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ») يؤول بالدقة لبيان: كل شيء حلال في حقك حتى تعلم بحرمته واقعاً أو ظاهراً بالدليل؛ فيتسع مدلول الحرمة ليعم التشريعين معاً. ومتى ما صرنا لهذا التقريب العريض، ثبت ورود أدلة الأمارات على أدلة الأصول العملية بالورود بلا ريب.

وبطبيعة الحال، يُعدّ هذا المطلب غنياً بالبحث والتحقيق العلمي، ونحن نكتفي حالياً بتقرير هذا الوجه الثاني للمحقق النائيني ومفاده: أن دليل أصالة الحلية يقرر إباحة الأشياء وحليتها للمكلف حتى يحصل له علم ويقين بالتحريم واقعاً أو ظاهراً. وينطوي هذا التقريب على تفصيلات وتفريعات سنعرض لتبيينها لاحقاً.

والملاحظ توجه إشکالات ونقود ثلاثة على هذا التقريب الثاني؛ ويتعين عليكم دراستها وموازنتها بدقة، وسنتكفل بعرض هذه الإيرادات ومحاكمتها علمياً في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.