معنى الكرامة – آراء أهل اللغة – كلام صاحب المقاييس وصاحب المفردات وثمرته – النتيجة
الجلسة الثانية
ملخص الجلسة السابقة
في الجلسة السابقة، قدمنا مقدمة تضمنت أمرين: الأول، لماذا أصبح هذا الموضوع اليوم موضوعًا مهمًا وإلى حد ما مثيرًا للجدل؟ والثاني، ما هي الأسئلة الأساسية التي يجب الإجابة عنها في هذا الدرس؟
معنى الكرامة
الأمر الأول الذي ينبغي تناوله هو معنى ومفهوم الكرامة.
آراء أهل اللغة
- في معاجم اللغة الفارسية مثل معجم دهخدا، ذُكرت معانٍ عديدة للكرامة، وهي: الشرف، العزة، الإنسانية، المكانة، المنزلة، الدرجة، الرتبة، الموقع، النزاهة عن الدناءة، الطهارة، الإحسان، الكرم، الشجاعة، الحرمة، الوقار، القيمة، والنبل. في هذا المعجم، جُمعت المعاني المختلفة التي وردت في كتب اللغة، خاصة إذا كانت الكلمة ذات أصل عربي، وذُكرت استعمالاتها كما هو معتاد في جميع كتب اللغة. عندما نراجع معاجم اللغة العربية، نجد العديد من هذه المعاني واردة فيها، حيث أشار كل معجم إلى بعض هذه المعاني، وقد جمع دهخدا كل هذه المعاني وأضاف بعض المعاني المرادفة أو المشابهة لها.
- في بعض المعاجم الفارسية الأخرى، عُرّفت الكرامة أيضًا بمعنى الذكاء. وقد وردت بعض المعاني المذكورة في معجم دهخدا هنا أيضًا، مثل الكرم أو النبل، ولكن أُضيف إليها الذكاء. يقولون إن الكرامة تعني الكرم، النبل، والذكاء، وهذا ورد في معجم معين. ذكرت هذه الأمثلة ليتبين مدى المعاني التي أُعطيت للكرامة، ومدى قربها من بعضها، وربما اشتراكها في معنى مشترك، إذ يمكن استخدام العديد منها بالتبادل. في كتب اللغة العربية، من أقدمها إلى المتوسطة والحديثة، ذُكرت بعض هذه المعاني، وإن لم تكن بهذا العدد والتنوع. لن أقرأ نصوص الكتب لأن ذلك يستغرق وقتًا، وسأكتفي بالإشارة إلى المراجع:
- معجم العين: عرف الكرامة بمعنى الشرف.
- لسان العرب: بينما أشار إلى بعض المعاني الأخرى، يقول إن الكريم اسم جامع لكل ما يُمدح به. أي إن الشخص الذي يمتلك خصالاً تُمدح يُسمى كريمًا.
- الجوهري في صحاح اللغة: عرف الكرامة من جذر “كرم” وهي ضد الدناءة والحقارة. بعض كتب اللغة عرفها بضدها، أي ضد الدناءة والحقارة، وبعضهم قال ضد النذالة.
- ابن الأثير في النهاية: عرف الكريم بأنه اسم جامع لأنواع الخير، الشرف، والفضيلة.
- المحيط في اللغة: عرف الكرامة بالطهارة، أي الشيء الطاهر والمحمود.
- طريحي في مجمع البحرين: يقول: «الكرم لا تستعمله العرب إلا في المحاسن الكثيرة، ولا يقال كريم حتى يظهر منه ذلك».
سؤال:
الأستاذ: الكرم هو في الحقيقة أصل الكرامة. الكرم، على وزن “فَرَس”، له مشتقات، وقد عُرّف اسم الفاعل واسم المفعول منه. - مصباح اللغة: يقول: «كَرُمَ الشيء كَرَماً نفس وعز فهو كريم، والجمع كرام وكرماء، والمؤنث كريمة وجمعها كريمات وكرائم، وكرائم الأموال نفائسها وخيارها، وأكرمته إكراماً، واسم المفعول مكرم على الباب، وبه سُمي الرجل، ويطلق الكرم على السخاء، وكرمته تكريماً، والاسم التكرمة، والكرم العنب». فله مشتقات كثيرة ومعانٍ متنوعة، ولكنه هنا يقول إن الكرم يُطلق على السخاء، وهذا يعني الكرم بمعنى العطاء.
- كتاب التحقيق في كلمات القرآن: يقول: «إن الأصل الواحد في المادة هو ما يقابل الهوان، كما أن العزة تقابل الذلة، والكبر يقابل الصغر». ثم يقول: «فالكرامة عزة وتفوق في نفس الشيء ولا يُلاحظ فيه استعلاء بالنسبة إلى الغير الذي هو دونه». ويؤكد في النهاية قائلاً: «فظهر أن الكريم ما يكون متفوقاً في نفسه ليس له هوان وضعف». فالمعنى الأصلي عنده هو ما يقابل الهوان والضعف. ويقول إن مفاهيم مثل الجود، العطاء، السخاء، الصفح، العظمة، النزاهة، كون الشيء مرضياً محموداً، وكونه حسناً أو مصوناً أو غير لئيم، هي من آثار الكرامة ولوازمها. يقول إن الكريم له معنى واحد فقط وهو ما يقابل الهوان، مثل العزة مقابل الذلة، وأما بقية المعاني فهي من آثارها ولوازمها. بعض هذه المعاني ذكرها معجم العين، وبعضها ذكرها الصحاح بأنها ضد الدناءة والحقارة، ولسان العرب ذكر تقريباً الشرف، وكذلك العين ذكر الشرف. على أي حال، كتب اللغة المعتبرة عرفّت الكرامة غالبًا بمعنى الشرف والنبل أو العظمة. وهذا يقول إنها ضد الضعف والحقارة أو النذالة. المعاني الواردة في معجم دهخدا تشمل المعنى الأصلي وآثاره ولوازمه، كما أشار إليه صاحب كتاب التحقيق، لذا فإن الجود والعطاء وما شابه ذلك هي من لوازم وآثار الشرف. سؤال: الأستاذ: إذا كان لشخص شرف وعظمة… فهو لا يقول إن هذا لازم مفهومي، بل عندما يقول من آثار ولوازم، يعني أن لازم الشرف والعظمة -التي هي مقابل النذالة والحقارة- هو أن يكون الشخص كريمًا وسخيًا وصاحب صفح. يبدو أن هذا الكلام صحيح بشكل عام… نحن لسنا الآن في مقام تحديد ما إذا كان هذا الاستعمال حقيقيًا أو مجازيًا، بل نريد أن نقول ما هو المعنى الأصلي. يمكننا القول إن استعمال هذا اللفظ في هذا المعنى هو المعنى الأصلي، وأساس الكرامة هو العظمة والشرف.
كلام صاحب مقاييس اللغة
معجم مقاييس اللغة عرف هذا اللفظ بمعنيين. يقول إن الكرامة تُستعمل في الشرف في نفس الشيء وفي خلق من الأخلاق البشرية. يقول: «لها بابان: أحدهما شرف في الشيء في نفسه، أو شرف في خلق من الأخلاق، يقال رجل كريم، وفرس كريم، ونبات كريم، وأكرم الرجل إذا أتى بأولاد كرام…». فالشرف تارة يُنسب إلى الشيء، أي أن الشيء نفسه يمتلك شرفًا، وتارة يُنسب إلى سلوك أو خلق بشري. نحن معنيون بهذا الأمر، لأنه إذا نُسب الشرف إلى الشيء، فقد يكون ثابتًا، ويمكن الادعاء بأنه لا يتغير ولا يكون موسميًا أو مؤقتًا. لكن إذا نُسب إلى الأخلاق وكان صفة من الصفات البشرية، فإنه يكون قابلًا للزوال والتغيير. من المهم جدًا أن نقول إن الشرف له وجهان: المعنى واضح، وفي كلا الحالين هناك قدر مشترك، سواء نُسب الشرف إلى الشيء نفسه وقيل إنه شرف في الشيء في نفسه، أو إلى خلق من الأخلاق. بلا شك، هناك معنى مشترك هو الشرف، لكن إذا تحقق هذا في الشيء أو كان وصفًا لخلق بشري، فهناك فرق بينهما.
كلام صاحب المفردات
راغب الأصفهاني فرّق بين الشخص المتصف بالشرف، سواء كان الله أم الإنسان. يقول: «الكرم إذا وُصف الله تعالى به فهو اسم لإحسانه وإنعامه المتظاهر، نحو قوله: ﴿إن ربي غني كريم﴾، وإذا وُصف به الإنسان فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، ولا يقال هو كريم حتى يظهر ذلك منه». فإذا كان الوصف لله تبارك وتعالى، فهو اسم لإحسانه وإنعامه الظاهر، لأن الله هو الإحسان والإنعام المطلق، ولكن تارة يكون هذا ظاهرًا وتارة غير ظاهر. إذا ظهر، فالكرم هو اسم لإحسان وإنعام الله الظاهر. أما إذا قيل: الله كريم، أو الإنسان كريم، فإذا وُصف به الإنسان، فهو اسم للأخلاق والأفعال المحمودة التي تظهر منه، أي لا يُقال كريم حتى تظهر هذه الأفعال والأخلاق. هنا أيضًا فرّق بين اتصاف الله بالكرم واتصاف الإنسان به. وهذا له أثر، لأن الإنسان الذي يُوصف بالكرم قد يزول عنه هذا الوصف، أي قد يكون موسميًا أو مؤقتًا، ولا يمكن القول إنه ثابت لا يزول. قد يدعي أحدهم أن هذا قد صار ملكة فيه، وزوال الملكة من الإنسان أمر صعب جدًا… نعم، قد يفقد شخص ملكة، ولكن هذا ليس محالاً عقليًا، بل هو ممكن، لكنه يحتاج إلى مقدمات كثيرة.
ثمرة كلام صاحب المقاييس وصاحب المفردات
هذان القولان مؤثران في تقسيم الكرامة إلى ذاتية واكتسابية بناءً على كيفية تعريفهما للكرامة. هل يمكن أن يكون هذا التقسيم صحيحًا؟ هل يمكن أن تكون الكرامة مقسمًا لهذين القسمين؟ هذا يعتمد إلى حد ما على معنى “الذاتي” هنا، لأن هناك خلطًا حدث. أحيانًا عُرف الذاتي بمعنى أنه لا يمكن تغييره، وأحيانًا عُرف بمعنى يقبل التغيير. على سبيل المثال، العلامة محمد تقي جعفري عرفه في موضع بمعنى أن الكرامة الذاتية غير قابلة للتغيير، وفي موضع آخر قال إنها قابلة للتغيير. سأذكر هذا لاحقًا… على أي حال، ليس فقط بحسب تعريف راغب، بل بحسب تعريف معجم مقاييس اللغة، يصعب الأمر عندما ننسب الكرامة إلى الإنسان وأخلاقه. نعم، يقول إن النفس البشرية يمكن أن تكون شريفة، وكذلك أخلاقها، وقد فرّق بينهما… أحيانًا نقول إن الإنسان كريم، أي أن النفس البشرية تمتلك الكرامة والشرف… كل الخلاف يدور حول هذا: بحسب نظرية الكرامة الذاتية، الإنسان، حتى لو كان مجرمًا أو عاصيًا أو خائنًا، يمتلك شرفًا. هذه هي المسألة. رأيكم يميل أكثر إلى الكرامة الاكتسابية. يقولون إن الإنسان، لو فرضنا أنه قاتل أو مجرم كبير، فإن لك الحق فقط أن تعاقبه بما يتناسب مع جرمه، والعقوبة المناسبة للجرم لا إشكال فيها، وهذا لا ينافي شرفه، لأنه هو من سلب هذا الشرف من نفسه. لكن إذا كانت هذه الكرامة ذاتية، فلا معنى للقول إن الإنسان سلبها من نفسه. يقولون إذا تجاوزت حدود الجرم وعقوبته وأحدثت تضييقًا أو تحقيرًا له زائدًا عن العقوبة اللازمة، فهذا غير جائز، لماذا؟ لأن الإنسان يمتلك كرامة. وبحسب رأي البعض، هذه الكرامة والشرف متعلقة بالإنسان بغض النظر عن عقيدته أو دينه أو حتى كونه مخطئًا. إذا قلنا إن الإنسان نفسه يمتلك شرفًا، فماذا يعني هذا؟ يعني أن الإنسان، بصرف النظر عن أخلاقه وأفعاله، يمتلك شرفًا. الإنسان بما هو إنسان… ابن فارس يقول: «لها بابان: أحدهما شرف في الشيء في نفسه»، وهذا يشمل نفس الإنسان أيضًا، بغض النظر عن أخلاقه وأفعاله وملكاته. أو يقول: شرف في أخلاقه، في خلق من الأخلاق، فنقول: رجل كريم. هنا ننسب الكرامة إلى أخلاقه، أي نصفه بالكرامة بسبب أخلاقه وأفعاله المحمودة… بعضهم يقول بسبب العقل، وبعضهم يقول بسبب الفطرة، وهناك عدة مبانٍ… هذه مبانٍ يجب أن نناقشها… العقل، الإرادة، الاختيار، يجب أن نرى إن كانت هذه صحيحة أم لا… سؤال: الأستاذ: لا علاقة له بالإنسان، لأنه يقول: شرف في الشيء في نفسه، أي أن الشيء نفسه يمتلك شرفًا، ومن الأشياء الإنسان. إذا قلنا هكذا، يمكننا أن ننسب الكرامة إلى الإنسان نفسه، وأحيانًا إلى الإنسان بسبب أخلاقه. حتى الثاني ليس مقتصرًا على الإنسان، فالفرس الكريم، هذا فعل. نبات كريم، نبات يعطي ثمرًا كثيرًا وفائدة كبيرة، يقال له نبات كريم أو فرس كريم… الذي يتعلق بصاحبه… أي أن الفعل المحمود ليس مقتصرًا على الإنسان، بل يشمل غير الإنسان أيضًا. أي أن الباب الأول والباب الثاني ليسا مختصين بالإنسان، بل لهما معنى عام. وما قاله راغب، فقد فرّق بين الإنسان والله، فإذا نُسب إلى الله فله معنى معين… لأنه يركز أكثر على الألفاظ في القرآن والروايات، فليس بعيدًا أن يكون تركيزه أكثر على الاستعمالات في النصوص المأثورة. لذا فإن ما ننقله من المفردات له طابع التأييد أكثر من كونه مصدرًا يُعتمد عليه.
النتيجة
على أي حال، المعنى اللغوي للكرامة هو الشرف، العظمة، المكانة، المنزلة، الاعتبار، والوقار. هذه كلها تقريبًا تعود إلى معنى واحد. أن نعرف لفظًا بضده ليس مناسبًا جدًا، بل يمكن أن يساعد ولكنه ليس كاملاً. نقول: الشرف والعظمة في مقابل الحقارة والنذالة. نعم، العزة ماذا تعني؟ نقول في مقابل الذلة، وهذا يساعد على تقريب المعنى إلى الذهن، لكن العزة نفسها ماذا تعني؟ هذا يساعد على فهم المعنى. إذن، تبين أن معنى الكرامة هو الشرف، وهي ذات معنى شامل وعام، يمكن أن تُنسب إلى الشيء نفسه أو إلى الأخلاق والأفعال المحمودة. هذه السعة المفهومية للكرامة مهمة، إذ يجب أن نعترف بهذه السعة التي تتحمل الجهتين معًا.