آفاق التأثير المتبادل ومخاطر إقحام الدقائق العقلية في مسالك العرفية الفقهية
العلاقة بين الفلسفة وعلم الأصول: آفاق التأثير المتبادل ومخاطر إقحام الدقائق العقلية في مسالك العرفية الفقهية
إن خلط الأصوليين الفلاسفة بين الواقعيات التكوينية والاعتبارات العقلائية يوقع الدرس الأصولي في تحديات منهجية شائكة تتنافى مع العرفية الذاتية للفقه.معاصرة الفقه وحيويته تفرضان إحالة تشخيص الموضوعات ومصاديقها لعرف العقلاء تلبيةً للغة المحاورات العرفية الصادر بها نصوص الشريعة.
توطئة: تمثل ذكرى رحيل الأصولي والفيلسوف الكبير الشيخ محمد حسين الأصفهاني (المعروف بالكمباني – قده) مناسبة مواتية لإعادة قراءة وتحليل طبيعة العلاقة والروابط بين علمي الفلسفة والأصول؛ وهما العلمان اللذان تربع ذلك المحقق الفذ على قمتهما الفكرية ليفيض شرحه الأصولي الشامخ «نهاية الدراية» بالنكات والتحليلات الفلسفية ويجمع ببراعة بين القواعد الأصولية والفلسفية.
غير أن آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، واقتداءً بمراده الإمام الخميني (ره)، يرى أن الخلط بين القواعد الأصولية والفلسفية وإقحام الفلسفة ودقائقها العقلية في علم الأصول هو خطأ منهجي كبير؛ لكون علم الأصول علماً عُرفياً وعقلائياً لا صلة له بالدقائق والتحليلات الفلسفية الدقيقة للوجود. وفي هذا الحوار التخصصي مع أستاذ درس خارج الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة، يستعرض سماحته التأثير المتبادل بين العلمين، مفصلاً في الوقت ذاته الأخطاء المنهجية التي وقع فيها الأصوليون الفلاسفة عند إقحام القواعد الفلسفية في أروقة علم الأصول.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الفلسفة والأصول بين الغناء المعرفي وخلط الاعتباريات بالواقعيات
شبكة اجتهاد: هل يتعارض إقحام الدقة والمنهج الفلسفي في علم الأصول مع العرفية الذاتية التي يرتكز عليها علم الفقه؟
الأستاذ نورمفيدي: يتعين علينا التفكيك بين تساؤلين؛ فتارة نسأل عن دور وأثر الفلسفة في علم أصول الفقه، وتارة نسأل عن دورها في علم الفقه بخصوصه. وفيما يتعلق بالشق الأول المتمثل في العلاقة والتأثير المتبادل بين الفلسفة والأصول؛ فإن هذا التأثير مقبول ونافع بل وضروري إلى حد ما، غير أنه مرفوض وغير مقبول إذا تجاوز هذه الحدود العلمية المقررة.
فإذا تصفحنا تاريخ علم الأصول، سنجد أنه في العصور المتقدمة والقريبة من عصر الحضور والأئمة الأطهار (عليهم السلام) لم يكن الحوزيون يشعرون بحاجة لدراسة المباحث الفلسفية في الاستنباط، غير أنه بمرور الزمن تغلغلت بعض المباحث الكلامية في أروقة الأصول؛ لتبدأ ملامح ولوج الفكر الفلسفي في علم الأصول منذ عهد المحقق الخوانساري في القرن الحادي عشر الهجري، وهي خطوات مهدت السبيل لاحقاً في القرن الثاني عشر الهجري للمجدد الوحيد البهبهاني (قدس سره) ليقود نهضته العلمية الجبارة لدحر الفكر الأخباري الشائع آنذاك.
وكما نبه بعض الأعاظم كالشهيد الصدر (قده)؛ فإن الفلسفة والأصول قد أثرا تأثيراً متبادلاً في بعضهما البعض؛ وأحد أهم عوامل انتصار جبهة الاجتهاد على الحركة الأخبارية يكمن بالأساس في ولوج واستثمار المنهج العقلي الفلسفي في علم الأصول. وصحيح أن الأصول لم يكن بحاجة للفلسفة قديماً، إلا أن دخول الفكر الفلسفي قد قوّى وعمّق بعض المباحث الأصولية، لا سيما مباحث الألفاظ، مسبباً تأثيرات امتدت لعلوم خارج نطاق الأصول نفسه.
وبناءً على هذا، فقد أسهمت الفلسفة في إثراء علم الأصول في بعض جوانبه ومباحثه، ولكن في الوقت ذاته يتعين الحذر الشديد لكون علم الأصول يرتكز بالأساس على “الاعتبارات العقلائية والشرعية” ويختلف جوهرياً عن الحقائق التكوينية التي تبحثها الفلسفة؛ مما يوجب صيانة الحدود الفاصلة بين الواقعيات (التكوينيات) والاعتباريات (التشريعيات).
فعلى سبيل المثال، يشير الإمام الخميني (ره) إلى هذه اللفتة المنهجية الهامة في بحث “السبب والمسبب”؛ إذ جرت عادة الأصوليين الفلاسفة على دراسة وحمل مسببية وسببية الأحكام والشرائع على وزان ومعايير السببية التكوينية التامة (كالنار التي تسبب الحرارة يقيناً بطبيعتها التكوينية)، بينما يرى الإمام الخميني أن السببية والمسببية في علم الأصول والشرع لا تنتمي لعالم التكوين والعلية الطبيعية مطلقاً؛ بل إن الأسباب والشرائع هنا تمثل شروطاً وعللاً موضوعية لإيجاد “الاعتبارات العقلائية”؛ فحين يعقد المكلف عقد البيع مثلاً، لا يكون هذا العقد سبباً تكوينياً لوقوع الملكية والانتقال المادي، بل يمثل سبباً عقلائياً يضع موضوعاً ومبرراً لاعتبار العقلاء والشرع الملكية للمشتري؛ شتان بين هذا الاعتبار وبين علية النار للحرارة.
ونرى نظير هذا التحذير المنهجي واضحاً في مباحث “الاستصحاب”؛ حيث يؤكد الأعاظم على وجوب تنحية الدقائق العقلية والتحليلات الفلسفية جانباً في هذا الباب؛ فصيانة بقاء الموضوع في الاستصحاب، وتحديد وحدة القضية المتيقنة والمشكوكة، يرجع بالكامل لـ “الفهم والتشخيص العرفي” بمدلوله المألوف، وليس لما تقتضيه الدقائق والتحليلات العقلية الفلسفية الدقيقة للوجود.
إنجازات علم الأصول في صياغة فلسفة اللغة ونظرية المعرفة
شبكة اجتهاد: كيف تجلى تأثير علم الأصول في صياغة وبحث النظريات الفلسفية؟
الأستاذ نورمفيدي: ثمة نماذج وشواهد كثيرة تبرهن على هذا الأثر؛ ومنها على سبيل المثال: المنجزات والخطوات البحثية الكبرى التي تحققت في حقل “فلسفة اللغة”؛ إذ كان منشؤها ومهد صياغتها الأول هو علم الأصول الحوزوي لتنتقل لاحقاً إلى أروقة الدرس الفلسفي المعاصر.
وكذلك في حقل المعرفة والوعي، نجد في الفلسفة الكلاسيكية القديمة أن مباحث المعرفة وقيمتها كانت تُدرس كبحث فرعي تحت مظلة الوجود وعوارضه (البحث الأنطولوجي)؛ فدرست مسائل من قبيل: الوجود الذهني، ومباحث النفس وتكاملها في ثنايا مراتب الوجود؛ أما في الفلسفة المعاصرة اليوم، فقد تحولت “نظرية المعرفة” (الأبستمولوجيا) إلى فرع مستقل وتخصص علمي قائم بذاته وبمنأى عن وجود الأنطولوجيا ومباحث الوجود المادي؛ وممّا لا شك فيه أن هذا التحول والتفرد المعرفي لنظرية المعرفة في الفلسفة الشيعية كان مديناً بالدرجة الأولى لتأثيرات علم الأصول وبحوثه العميقة في حجية الأدلة والقطع والظن وحجية المدارك وقيمتها الكاشفة.
والأمثلة في هذا الباب كثيرة؛ فالأصول والفلسفة أثرا تأثيراً متبادلاً في بعضهما؛ فالفلسفة قوّت مبادئ الأصول وصانت استدلالاته بوجه الفكر الأخباري من جهة، وأنتجت مسائل جديدة في الأصول؛ وبالمقابل أسهم الأصول في رفد الفلسفة ببحوث نظرية المعرفة وفلسفة اللغة والتحليل اللغوي وغيرها من المباحث العميقة.
أما على صعيد علم الفقه، فإن ولوج المنهج الفلسفي يترك أثره بطبيعة الحال في مرحلة الاستنباط فقهياً؛ ولكن السجال يثور في الفقه أيضاً حول: هل يسوغ للفقيه استخدام الدقائق والتحليلات الفلسفية المعقدة في عملية استنباط الأحكام الشرعية وحسم المسائل أم لا؟
وهنا أستند إلى التوجيه المنهجي البليغ للإمام الخميني (ره)؛ حيث يجعل من شروط الاجتهاد الفقهي الأساسية: “أن يأنس الفقيه بالمحاورات العرفية والفهم العرفي للموضوعات والخطابات”؛ لكون خطابات الكتاب والسنة ومحاوراتها الشريفة قد صدرت وجرت وفقاً للغة وأساليب المحاورات العرفية الشائعة بين الناس، ويشترط في الاجتهاد الحذر التام وصيانة المنهج من الخلط بين الدقائق العقلية الفلسفية وبين الفهم العرفي العقلائي؛ مبيناً بأسف وقوع الكثير من الخلط والاشتباه في هذا المضمار مسبباً ضياعاً للجهد وهدر الطاقات للعلماء في أبحاث هامشية معقدة بغير طائل إفتائي.
ومن هنا، فإن اعتبار أنس الفقيه بالمحاورات العرفية شرطاً للاجتهاد يمثل ركيزة هامة جداً تجب صيانته لتجنب هذه المزالق والخلط المعرفي، مع الإبقاء على الفاعلية المعتبرة للعقل كدليل ومصدر استدلالي في مواقعه الصحيحة.
حجية مدركات العقل وتفكيك حياض حكم العرف والمستنبطات الشرعية
شبكة اجتهاد: يُعد “العقل” واحداً من المصادر الأربعة لاستنباط الحكم الشرعي فقهياً؛ فهل يختلف العقل عن تلك الدقائق والتحليلات العقلية الفلسفية؟ وكيف يتسنى لنا صيانة الاستنباط من هذا الخلط المنهجي؟
الأستاذ نورمفيدي: لقد جرى التفصيل في محله من أبحاث الأصول حول أي العقول ومدركاتها تُعد مصدراً معتبراً وحجة في كشف واستنباط الأحكام الشرعية؛ فليس كل عقل ولا كل مدرك عقلي تلتزم الشريعة بحجيته المطلقة في الاستنباط.
ومن جهة أخرى، فإن العرف والتشخيص العرفي لا يتدخل أبداً في استنباط أو إثبات الحكم الشرعی التكليفي يقيناً؛ بل ينحصر أثره الفقهي والتشريعي في حقل “تشخيص الموضوعات ومصاديقها الفقهية”؛ فلأجل تشخيص موضوعات الأحكام نرجع إلى العرف العقلائي. وقد عكف كبار علمائنا كصاحب الجواهر والمحقق الأنصاري في المكاسب على إرجاع تشخيص موضوعات الأحكام للعرف وتحديد مساحة هذا الرجوع بدقة؛ حيث صرح صاحب الجواهر بحجية الرجوع للعرف في فهم دلالة كل لفظ شرعي لم يحدد له الشارع المقدس معنى أو اصطلاحاً شرعياً تخصصياً خاصاً به. فإذا حدد الشارع حدود الموضوع ومعناه فلا حاجة للعرف؛ أما إذا خلا النص من ذلك، فالمرجع هو الفهم العرفي العام للفظ.
وصحيح أن بعض المفسرين الأفاضل يذهب بالقول إلى تطابق وانسجام نظام التشريع مع نظام التكوين وبنائهما على معيار واحد ويستلهمون من هذا التطابق بعض الفتاوى، غير أن هذا المبدأ بحد ذاته يظل موضعاً للبحث والنقاش العلمي في كونهما نظامين متطابقين أم نظامين مستقلين.
وفي كتاب المكاسب، يشير الشيخ الأنصاري (قدس سره) في مواضع شتى -لا سيما في بحث معاملة الأعيان النجسة- إلى إحالة تشخيص الموضوع كلياً للعرف العقلائي؛ والأمر ذاته ينطبق على اشتراط وجود “المنفعة المحللة المعتبرة” في صحة المعاملات؛ فصحيح أن الشارع هو الذي شرع هذا الشرط واعتبره، إلا أن العرف هو الذي يشخص هل يملك الشيء الفلاني منفعة محللة معتبرة بين العقلاء في هذا العصر أم لا. ونرى المحدث الكبير الشهيد الثاني (قده) في بحث الغناء -بعد تفصيل وبحث علمي شاق للآراء والروايات- يخلص إلى القول: “إن الأولى والأنسب في تشخيص معنى الغناء ومصاديقه هو الرجوع للفهم العرفي”.
وبناءً على هذا، لا مدخلية للعرف في استنباط أو إثبات أصل الحكم الشرعي التكليفي مطلقاً، غير أن أثره ينحصر في تشخيص الموضوع ومصاديقه الخارجية؛ وصحيح أن ثمة خلافاً أصولياً حول هل يشمل رجوعنا للعرف تشخيص مصاديق المفاهيم اللفظية أم يقتصر على تحديد المفاهيم الكلية فحسب، إلا أن القدر المتيقن والمعمول به في الفقه يقر بحجية الرجوع للعرف لإحراز المصاديق الخارجية للموضوعات الفقهية؛ كرجوعنا إليه لإحراز هل يمثّل هذا السائل خمراً يقيناً أم لا، أو هل يمثل هذا اللحن الموسيقي غناءً محرماً أم لا.