الأزمات والقصور الحالي لا يقللان أبداً من عظمة الثورة الإسلامية
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي بمناسبة الذكرى الأربعين لانتصار الثورة: الأزمات والقصور الحالي لا يقللان أبداً من عظمة الثورة الإسلامية
تبيين المكتسبات السيادية والمعنوية لعقود الثورة الأربعة (الأربعاء ١ جمادى الثانية ١٤٤٠ هـ)؛ ووجوب اجتثاث الفساد والمحسوبية وتعزيز الشفافية لإحراز رضا الجماهير.إن سيادة واستقلال القرار الوطني الإيراني وقطع دابر الهيمنة والتبعية الاستعمارية هما الإنجاز السيادي الأبرز لعصر الثورة.
ما أود الوقوف عليه ببضع كلمات في هذا المقام، هو أننا بالرغم من كل المشاكل، والقصور، والنواقص، والصعاب المعيشية الراهنة، لا يمكننا بخس عظمة الثورة الإسلامية وتجاهل مكتسباتها الكبرى. وأنا هنا -بمنأى عن أي انحياز أو تعصب فئوي أو ديني محق- أؤكد صراحة أن الثورة الإسلامية في إيران كانت إنجازاً تاريخياً عظيماً حقق بركات ومنجزات باهرة للأمة؛ وهو أمر يتطلب يقيناً دراسات ومباحث استدلالية رصينة لتقييم كافة شؤونه وتشخيص مواطن النجاح والقصور بموضوعية.
وقد يكون غالبية جيل الشباب المعاصر لم يعايش الظروف المعقدة السائدة قبيل انتصار الثورة الإسلامية ولم تكن ملموسة لديه عياناً، وربما يقع تحت تأثير بعض التحليلات السطحية والمبسطة للثورة؛ إذ يعمد البعض لتسخيف وتبسيط معايير الثورة ومنجزاتها وتصويرها كحدث عادي، متناسين حجم الأورام والفساد المستشري الذي كان يفتك بكيان النظام البائد وتخلصت منه البلاد ببركة الثورة. وصحيح أننا نواجه اليوم مشاكل وصعاباً كثيرة جداً، غير أن ركيزة “السيادة الذاتية والثقة بالذات والاعتزاز بالنفس” (خودباوری) كانت مفقودة بالكامل في الثقافة والذهنية السائدة لإيران قبيل الثورة؛ والسيادة الذاتية معطى بالغ الأهمية لمستقبل أي شعب. وتذخر التقارير التاريخية والمذكرات الموثقة لتلك الحقبة ببيان كيف كان الشخص الأول في الدولة (الشاه البائد) يرهن قراراته وتسیير شؤون بلاده -حتى في أبسط المسائل أو أعقد الأزمات- بوجوب استشارة الأمريكيين والاستئذان منهم والوقوف على توجيهاتهم؛ ولم تكن العلاقة بين إيران وأمريكا آنذاك علاقة بين دولتين متكافئتين في السيادة، بل كانت علاقة استعمار وهيمنة وتسلط من قِبلهم على مقدرات بلدنا وثروات شعبنا؛ فكان سلوك الشاه يمثل استئذاناً ذليلاً لتطبيق إملاءاتهم ومآربهم الخبيثة.
سيادة القرار الوطني واستقلال الإرادة السياسية للبلاد
ولكن بعد انتصار الثورة الإسلامية، بادر الإمام الخميني (ره) ومن بعده سماحة قائد الثورة الإسلامية المعظم بالاتكال على الله سبحانه والاعتماد على الدعم الشعبي الحقيقي لاتخاذ القرارات وصیاغة مسار البلاد بامتياز؛ وهي سيادة حقيقية لا يقدر حتى المعارضون على إنكارها؛ إذ لا يخضع الشخص الأول والمسؤولون في هذا البلد لإرادة أي قوة استعمارية في العالم، وليس في قاموس وأعراف الثورة الإسلامية إملاء الأوامر أو أخذ التوجيهات من أمريكا أو غيرها من القوى العظمى؛ بل إن قادة البلاد يضعون التوكل على الله والثقة بقدرات شعبهم نصب أعينهم لتسيير الشؤون، وهو إنجاز سيادي وتاريخي عظيم تم الحفاظ عليه وصيانته طوال عقود الثورة الأربعة بالرغم من كثرة المؤامرات والضغوط معیشية الراهنة؛ وهي رساميل كبرى لا يجوز الاستهانة بها وبخس قدرها.
والمعطى الآخر هو تأسيس وإقامة صرح “الحاكمية الدينية” بمفهومها الشامل؛ وصحيح أننا لا نزال على مسافة من الوصول لنموذج الحكومة الدينية المثالية المنشودة، بل وواجهنا تراجعاً فكرياً أو عملياً في بعض الشؤون وهو ما لا ريب فيه؛ غير أن إقامة الحاكمية الدينية وحفظ سيادة الأحكام الشرعية كان يمثل أمنية وتطلعاً راسخاً لعلماء الدين وجمهور المؤمنين والمتقين طوال قرون التاريخ؛ وهو تحول تاريخي عظيم صاغ فكر وثقافة مجتمعنا ببركة الثورة.
وقد تحققت إنجازات جبارة طوال هذه العقود؛ وتجلت معالم السيادة والاعتزاز بالذات في منجزات باهرة سطرها العلماء والمفكرون الإيرانيون في شتى حقول المعارف والتكنولوجيا؛ كما شهدت الحوزة العلمية نشاطاً وبحوثاً علمية بالغة القيمة؛ ورغم محاولات البعض رمي الحوزة وعلمائها بالكسل والإهمال بجهالة وجور، إلا أن مخرجات الحوزة المعاصرة في إنتاج الفكر وصناعة المعرفة وتأصيل النظريات تُمثّل إنجازاً علمياً رصيناً لا يستهان بحجمه وقيمته يقر به من عايش ظروف الحوزة سابقاً وواقعها الحالي؛ وبالرغم من حاجتنا لتسريع وتيرة حركتنا ومواكبة العصر الرقمي، إلا أن الادعاء بخلو الحوزة من المنجزات هو تزييف للواقع.
نصرة مذهب أهل البيت (ع) وتمدد آفاقه جغرافياً
وفي شتى الساحات والمجالات، تتجلى عظمة الثورة الإسلامية وجلالة ما سطره الشعب الأبي من تضحيات، وتأثيراتها العميقة في الداخل الإيراني، والمنطقة، والعالم بأسره، ونصرة مذهب أهل البيت (عليهم السلام)؛ إذ نرى اليوم جماعات وتجمعات لأتباع مدرسة العترة الطاهرة تنشط في شتى بقاع العالم؛ بدءاً من جنوب إفريقيا وصولاً إلى إندونيسيا والصين وماليزيا؛ وكان جل هؤلاء أفراداً قلائل تشرّفوا بالهداية لولاية أمير المؤمنين (ع) متأثرين ببركات الثورة والشخصية الملكوتية للإمام الخميني، لتتحول تلك التجمعات اليوم إلى حشود وجماهير وافرة العدد والنشاط؛ وهي ثمرات بالغة الأهمية.
ومن هنا، فإن توهم البعض بأن الصعاب المعيشية الحالية كفيلة بإقصاء تلك العظمة التاريخية وتشويهها هو وهم باطل وخاطئ؛ ولا يسوغ لأحد التفكير بأن المشاكل الراهنة تبرر اتهام الثورة بالإخفاق والندم عليها، لكون إظهار الندم يعني عدم فهم وإدراك حقيقة وقيمة هذا الإنجاز التاريخي العظيم. غير أن صيانة هذه الرساميل والمكتسبات تكتسب أهمية بالغة ومصيرية؛ ولا يسوغ لنا التوهم بأننا قادرون على الاستمرار بغير بذل الجهد لصيانتها؛ فإذا ما صُنّا هذه الرساميل تضاعف تقدمنا ورقينا يوماً بعد يوم، وإذا ما أهملنا صيانتها سننزلق نحو الضعف والوهن والقصور تدريجياً.
علاج بؤر الفساد وترسيخ الشفافية وتكافؤ الفرص في إدارة الدولة
ولقد بادت إمبراطوريات وقوى كبرى طوال التاريخ بسبب إهمالها وعجزها عن علاج المشاكل والأزمات الداخلية التي كانت تفتك بكيانها؛ ونحن نمر اليوم بظروف بالغة الحساسية تفرض علينا تجنب الأحقاد والتخندق الفئوي والعمل بمسؤولية وحرص بالغ ومودة لعلاج نقاط الضعف واجتثاث مكامن الفساد التي تؤرق المواطنين وتقلق مضاجعهم. لقد برهن شعبنا الأبي على جلالة صبره وقدرته الاستثنائية على تحمل الصعاب والشدائد المعيشية، ولكن بشرط ألا يرى تمييزاً، أو فساداً، أو سرقة وتبديداً للأموال العامة واختلاساً؛ وسبيل العلاج يفرض علينا بذل أقصى الجهود لتوطيد سيادة القانون وتطبيقه بعدالة على الجميع.
وإن إرساء الشفافية في شتى المفاصل يمثل الأولوية القصوى لعلاج الفساد؛ وتفعيل آليات “الحكومة الإلكترونية” يكتسب أهمية بالغة في هذا المضمار لتصفير وتدنية تدخل العوامل البشرية وأهوائها ومصالحها الضيقة وجعل كل شيء تحت مجهر الشفافية؛ ويتعين وضع الممارسات والمعاملات كافة في “غرفة زجاجية” وتحت الرقابة التامة والعلنية للمواطنين. كما يتحتم الالتزام التام بـ “معيار الجدارة والاستحقاق وتكافؤ الفرص” عند إسناد المسؤوليات والمناصب التنفيذية في البلاد؛ ليتولى المسؤولية من يتصف بالأمانة، والكفاءة، والقدرة الميدانية، وحظر ممارسات المحسوبية والوساطة الحزبية التي تؤرق قلوب الناس وتفسد مناخ الاستقرار؛ وأنا على يقين من أننا لو أصلحنا هذه الشؤون وأقصينا مكامن الفساد والمحسوبية والسرقة ليرى المواطنون الشفافية التامة تسود البلاد، لأبدوا استعداداً كاملاً لتحمل أثقل الأزمات والصعاب؛ لكون شعبنا يتصف بمنتهى النبل والنجابة والوعي، ولكن استمرار المشاكل بالتوازي مع بقاء بؤر الفساد قد يزعزع ثقة الجماهير وتلاحمها.
ومع ذلك، يملأ قلبي التفاؤل والأمل بوجوب اجتياز هذه المرحلة الانتقالية؛ وإن الحساسية البالغة والشعبية القائمة اليوم بمكافحة الفساد ومظاهر الأرستقراطية والرفاهية والبدخ هي معطيات تبث الأمل في النفوس وتدفع الفاسدين للانقباض والحذر؛ وصحيح أن هذه القضايا والملفات لم تكن تحظى بالعلنية والتبيين سابقاً، غير أن الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي تسهم اليوم بوضوح في كشف الفساد ومحاربته للرأي العام.
وأنا على يقين بأن هذا الحراك سيؤتي ثماره تدريجياً وسنعبر هذه المرحلة بنجاح؛ وإذا تصفحنا واقع الدول المتقدمة في العالم اليوم، لوجدنا حجم الفساد مستشرياً فيها بمراتب كثيرة ولا يُكشف الكثير منه، فضلاً عن كونها قد مرت بذات الأزمات والخطوب والشدائد لسنوات طوال حتى بلغت مرحلة الاستقرار المعاصر. وتفعيل الرقابة الشعبية العامة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) وتقوية دور وسائل الإعلام والصحافة المستقلة كفيل باجتثاث بؤر الفساد وعلاجها بتمامها.
واختتم بالقول: إن المسؤولية الملقاة اليوم على كاهل علماء الدين ومسؤولي الدولة هي مسؤولية بالغة الثقل والخطورة؛ وسبيل العلاج يفرض على أبناء هذا الوطن كافة التكاتف والتعاطف بمنتهى المودة والأخوة ونبذ الأحقاد وتجنب مسالك الإقصاء، والتسقيط، والتخريب المتبادل للشركاء السياسيين؛ فإذا ما تكاتفنا جميعاً يداً واحدة واضعين أيدينا في أيدي بعض، فستظل الطاقات والوقت شحيحة ومحدودة لعلاج أزمات البلاد ومصالحها؛ مما يتحتم معه رص الصفوف والتماسك والوفاق الوطني يداً واحدة بمحورية ولاية الفقه وقائد الثورة المعظم، فبدون هذا المحور القائد يستحيل العبور من هذه المنعطفات والشدائد المعقدة.