بعض القائلين بـ “فقه النظام” لا يرتضون منهجية الاستنباط الجواهري التقليدي
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع شبكة “اجتهاد”: بعض القائلين بـ “فقه النظام” لا يرتضون منهجية الاستنباط الجواهري التقليدي
لقد كان هدف آية الله الفاضل اللنكراني في نقده موجهاً بالأساس لطرح “أكاديمية العلوم الإسلامية”؛ والشهيد الصدر كان ينكر صراحة وجود ما يسمى بـ “علم الاقتصاد الإسلامي”.إن القول بوجود أنظمة دينية في الإسلام لا ريب فيه؛ غير أن محاولة اختلاق مصادر ومنهجيات استنباط خارج الأصول التقليدية قد تقود إلى تقويض بنيان الفقه الشريف.
أكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم، في حوار خاص مع مراسل شبكة “اجتهاد”، الأبعاد المعرفية والمنهجية لملف “فقه النظام” (فقه نظامات) الشائك، مستعرضاً تباين النظريات والآراء المطروحة حيال هذا المفهوم، ومبيناً الفوارق البينة بين نظرية الشهيد الصدر في كتاب “اقتصادنا” وبين الأطروحات الفكرية الأخرى التي تسعى لابتكار مناهج ومصادر استنباط تخرج عن جادة الفقه الجواهري التقليدي المعتبر للحوزات العلمية.
وفيما يلي النص الكامل للحوار:
الهوية المفهومية والاصطلاحية لتعبير “فقه النظام”
شبكة اجتهاد: ما المقصود بـ “فقه النظام” في المباحث الفقهية المعاصرة؟
الأستاذ نورمفيدي: إن تركيب “فقه النظام” يُعد تعبيراً غير وافٍ وقاصراً؛ نظراً لتعدد وتباين القراءات والتفسيرات التي طُرحت حوله؛ بدءاً من القراءات السطحية والسياسية البسيطة وصولاً إلى التفسيرات الأكثر عمقاً وصواباً، وإن كانت الأخيرة قد لا تعبر عن الواقع تماماً بالدقة المطلوبة. وفي تقديري، بدلاً من التمسك بتعبير فقه النظام، يتعين علينا طرح المبحث الأساس صياغةً لهذا التساؤل: هل نملك أساساً في الشريعة الإسلامية “أنظمة وتشريعات متكاملة” (نظامات) أم لا؟ وإذا كانت لدينا مثل هذه الأنظمة، فكيف يمكننا تفعيلها والاستفادة منها؟
ومن هنا، فإن البحث يتجاوز حدود علم الفقه بمعناه الاصطلاحي المتعارف عليه؛ وأرى أن القائلين بـ “فقه الأنظمة” لا يملكون غاية ومقصداً مشتركاً واحداً؛ فعلى سبيل المثال، يذهب فصيل للاعتقاد بوجوب استكشاف الأنظمة المختلفة من حقل “الفقه الأكبر”؛ والفقه الأكبر يشتمل بالتعريف على الفقه المصطلح المعاصر، والأخلاق، والعقائد، وعلم الكلام؛ أي وجوب استكشاف هذه الأنظمة من مجموع المنظومة الدينية قاطبة.
بينما يذهب فصيل آخر لوجوب استكشاف هذه الأنظمة من صلب الفقه المصطلح نفسه. وما أعتقده وأؤمن به جازماً هو أننا نملك يقيناً أنظمة وتشريعات متكاملة في الشريعة الإسلامية ولا ريب في ذلك، وهذه الأنظمة قابلة للاستكشاف من مجموع المنظومة الدينية المشتملة على المجالات الثلاثة: العقائد، والأخلاق، والأحكام الشرعية.
غير أن القضية القائمة تكمن في أن الذين يركزون على فقه الأنظمة ويثيرون السجال الفكري الراهن، يبتغون مقصداً وغاية خاصة؛ لكون أساس هذه المقاربة وأصل هذا الطرح قد ابتُكر وتأسس منذ سنوات طوال من قِبل “أكاديمية العلوم الإسلامية” (فرهنگستان علوم اسلامی).
إذ يلتزم أصحاب هذا الفكر بأن مسار تحول وتطور العلوم بمعناها العام -ولا سيما العلوم الإنسانية- طوال القرون الأخيرة وتحديداً بعد عصر النهضة الأوروبية (الرينسانس)، قد تشكل بالأساس بناءً على النزعة الإنسانية (الأومانية)؛ وحين أقصت النهضة الإلهيات ووضعت الإنسان وإرادته في مركز الكون لتلبية احتياجاته المادية المحضة، تشكلت كافة العلوم الإنسانية في هذا المسار المادي.
فعلى سبيل المثال، يذهبون بالقول إلى أن مظاهر الحضارة المعاصرة كنمط الحياة الحضرية والمدنية المعاصرة وتطور العلوم وسيرها، قد تشكلت بالكامل تلبيةً لرغبات الإنسان المادية المحضة مع إقصاء تام للجوانب الأخلاقية والمعنوية والماورائية؛ فالحافلات المستخدمة للنقل العام مثلاً حين تُصمم مقاعدها بصورة متقابلة فإنها لا تراعي الحدود الشرعية الفاصلة بين النساء والرجال؛ والظاهرة ذاتها تنطبق على السكن في الشقق (الآبارتمانات)، ووسائل الترفيه والتقنيات الحديثة الداخلة في حياة البشر؛ فجميعها تحركت وتطورت في ذلك الاتجاه المادي.
ويتضاعف بروز هذا البعد في حقل العلوم الإنسانية؛ كالعلوم الاقتصادية، وعلم الاجتماع وغيرها، ويمتد ليشمل العلوم الطبيعية أيضاً. ومن هنا، يرى هؤلاء السادة أن تعاملنا ومواجهتنا لهذه العلوم والموضوعات الناشئة عن الحضارة المعاصرة والتقنيات الحديثة يتصف بالانفعال والتبعية؛ لكونهم يصوغون المسائل والتحديات في قوالب وأطر صمموها بأنفسهم، ويتعين علينا نحن تقديم إجابات انفعالية لتلك القضايا. ويرى هؤلاء وجوب الخروج من هذا الانفعال والمبادرة بأنفسنا لإنتاج وصياغة المسائل بناءً على احتياجات الإنسان المثالي والكامل الذي أُخذت أبعاده الروحية والمعنوية بنظر الاعتبار في الشريعة.
وهذا كلام عام ونظري طُرح منذ القدم؛ وكان قصد بعضهم من بناء وصياغة الأنظمة يذهب إلى وجوب تغيير اتجاه علم الاقتصاد نفسه؛ لكون المعادلات والقوانين الاقتصادية المعاصرة قد صِيغت بالأساس بناءً على النزعة الإنسانية والمادية. وحقيقةً ينطوي هذا الطرح على إبهامات وعقبات علمية كثيرة لسنا الآن في مقام نقدها وتقييمها؛ بل أردت فقط توضيح أن الشق المطروح من صياغة الأنظمة يتصف بالاتساع المفرط والعمق الشديد الذي يثير التساؤل والجدل حول إمكانية بناء نظام فقهي بهذه الصورة وهل نقدر فعلاً على إقامته أم لا؟
وفي تقديري، إن المبحث الذي يستحق الدراسة والتمحيص للوقوف على كونه حقيقة واقعية أم مجرد وهم وسراب، هو هذا البعد المعرفي لـ “الفقه الصانع للنظام”؛ لكون بعض الرسائل والكتابات الصادرة والمنشورة في هذا الباب تكتنفها الضبابية والغموض وغير مفهومة؛ وأبسط أثر وتالٍ فاسد يترتب على هذا الفكر هو وجوب الانقطاع الكامل عن العالم المعاصر وحضارته، بغير أن يتضح مسار كيفية استمرار حياة البشر وفقاً لهذه المقاربة.
حقيقة الفكر الاقتصادي للشهيد الصدر ونقد أطروحات الحجب الفقهي
شبكة اجتهاد: هل تقصدون أنه إذا كنا نبحث عن الإنسان الكامل، فستحدث بالتأكيد فترة فتور ويجب علينا اجتياز مرحلة انتقالية؟ ولكن على أية حال، إذا كان لدينا فقه للنظام، فقد يكون الأمر صعباً بعض الشيء في مرحلة الإثبات، ولكن في كل الأحوال يجب اجتياز هذه المرحلة الانتقالية. ما هو رأيكم؟
الأستاذ نورمفيدي: أنا لم أدخل بعد في النقد النظري لهذه النظرية؛ إذ تواجه عقبات ومشكلات نظرية جادة؛ وأصل القول بوجود “علم اقتصاد إسلامي” ينكره الشهيد الصدر (قدس سره) صراحة مبيناً عدم وجود ما يسمى بعلم الاقتصاد في الإسلام؛ لكون هذا العلم كغيره من العلوم الرياضية والطبيعية كالفيزياء والكيمياء لا يتصف بالصبغة الدينية أو غير الدينية في قوانينه الذاتية (بالرغم من زعم البعض بوجود فيزياء أو كيمياء إسلامية).
إن تفصيل هذا المبحث ومناقشة نظرياته يتطلب مجالاً مستقلاً؛ غير أن الشهيد الصدر يلتزم يقيناً بنوع من بناء وصياغة الأنظمة؛ حيث يقرر في كتابه الشهير “اقتصادنا” وجود “مذهب اقتصادي أو نظام اقتصادي إسلامي”؛ مبيناً أن التمايز الجوهري والمنهجي بين نظامنا الاقتصادي الإسلامي وبين المذاهب الاقتصادية الأخرى يكمن في أن تلك المذاهب تنطلق من دراسة البنية التحتية لتصيغ البنية الفوقية، بينما يتعين علينا نحن الانطلاق من دراسة البنية الفوقية لاستكشاف وتأصيل معالم البنية التحتية، وتفصيل حدود البنيتين وكيفية الاستكشاف يظل موضعاً للبحث والنقاش.
ويذهب الشهيد الصدر للقول: إننا نمتلك منظومة من الأصول والوجائب التي تُمثّل المكونات الصانعة لذلك النظام، ويرتبط جزء منها بالأخلاقيات؛ فلدينا أصول أخلاقية، وقواعد شرعية في المعاملات يتعين استكشافها من النصوص الشريفة؛ كالملكية الخاصة التي لا تتصف بالإطلاق بل تقيدها قيم العدالة والإنصاف والمشاعر الإنسانية؛ ومسؤوليتنا تقتضي استكشاف هذه القيود من النصوص الشرعية. وصحيح أن هذا النظام منسجم وموجود بالكامل في واقع الأمر واللوح المحفوظ، ولكن لكوننا ملزمين باستكشافه من النصوص والأدلة الشرعية، نجد أنفسنا مضطرين للاستعانة بأحكام القانون المدني لاستكشاف ذلك النظام من بنيته الفوقية؛ ثم يطرح الشهيد الصدر فكرة غريبة تستدعي التأمل والنظر.
حيث يذهب بالقول إلى أنه: “في حال وقوع الاختلاف الفقهي والتبين بين المراجع والفقهاء في الأحكام المتعلقة بالقانون المدني، يتعين علينا تصفح واعتماد الفتاوى الأكثر انسجاماً وتنسيقاً وتلاؤماً في هذا الاتجاه لاستكشاف الأنظمة والتشريعات منها”؛ وحين تفقد تلك الفتاوى المختارة صفة الحجية والاعتبار الشرعي لدى المجتهد الآخر، فكيف سيعالج مسألة “الحجية والاعتبار الشرعي لفتاواه”؟ ولعل بعض تلامذته قد تخلصوا من هذا الإشكال بالادعاء بعدم الحاجة للحجية والاعتبار في هذا المقام، وهو طرح غير رصين.
وخلاصة القول، لا ريب ولا خلاف في وجود أصل الأنظمة والتشريعات في الشريعة الإسلامية؛ ويذهب البعض لوجود أنظمة متعددة كالنظام السياسي، والنظام الثقافي، وغيرها، وهي عبارة عن الأحكام الشرعية التي يجب تطبيقها في المجتمع كأحكام الحدود والديات والقضاء؛ فنحن نملك أنظمة في هذه الأبواب والمسائل، ويمكننا استكشافها من صلب الفقه المصطلح نفسه.
والواقع الذي أراه يفرض علينا -بالنظر للمقدمات والبديهيات العقائدية- الالتزام والقول بوجود الأنظمة في الإسلام؛ فإذا كنا نعتقد جازمين بأن الدين يمثّل برنامج السعادة وهداية البشر وخارطة طريق الإنسان المعصومة التي تقوده بعون العقل والفطرة لنيل كماله الأسمى والغاية العظمى للخلق، فلا يمكن تصوير هذا البرنامج الإلهي بغير نظام متكامل؛ فالخارطة الإلهية تمثل حجة ظاهرة تشتمل على إنزال الكتب وإرسال الرسل ومجموع التعاليم الدينية في حقول العقائد والأخلاق والعمل، وتسعى حتماً بمعونة الحجج الباطنية (العقل والفطرة) لإيصال الإنسان إلى غايته وسعادته الأبدية.
ويتحتم انسجام وتلاؤم أجزاء هذا البرنامج الإلهي وتكاملها لتحقيق تلك الغاية؛ ولا يسوغ لنا الادعاء بخلو هذه الأحكام من الترابط والاتساق وإن عجزت عقولنا القاصرة عن إدراك كنه هذا الترابط؛ بل إن الانسجام والاتساق بين الأحكام وجزئيات برنامج سعادة الإنسان هو حقيقة قائمة وواقعية يقيناً، وخلاف ذلك يرمي الرسالة الإلهية بالنقص والإهمال ويتنافى مع الحكمة الإلهية المطلقة. وأما منهجية كيفية استكشاف هذه الأنظمة وهل نقوى على صياغة ذلك النظام الواقعي أم لا، فأرى أنها تقتضي نهضة علمية وعملاً جماعياً واسع النطاق من قِبل نخب الحوزة، والادعاء بخلو الشريعة من الأنظمة أو عدم الحاجة لصياغتها يفتح ثغرات ومنافذ للأعداء والمتربصين للنفوذ والتشكيك بمناعة الشريعة وكفاءتها المعاصرة.
نقد محاولات الالتفاف على مناهج الاستنباط الجواهري التقليدي
شبكة اجتهاد: يقول بعض العلماء إن فقهاء فقه النظام يريدون إيجاد مصادر غير مصادر الفقه المصطلح. وفي الجانب الإثباتي، إذا أردنا الوصول إلى فقه النظام، فهل يجب سلوك المسار نفسه الذي سُلك في الفقه التقليدي، أم ينبغي سلوك مسار آخر؟
الأستاذ نورمفيدي: إن مفهوم “فقه الأنظمة” يكتنفه الغموض والاضطراب بمراتب كثيرة وفي غاية الجدية؛ ويبادر بعض دعاة هذا الفكر لعقد ربط وتلاؤم بين نظريتهم وبين نظرية الشهيد الصدر، في حين أن التباين والافتراق بين المدرستين واسع وجلي جداً كما اتضح في ثنايا كلامي السالف. ومن هنا فإن الجلبة والسجال الفكري المثار مؤخراً، ووقوع بعض الإشكالات الضعيفة وغير الصحيحة على النظرية، يعود بالأساس إلى هذه الإبهامات المفهومية والمنهجية الحاكمة على الطرح.
والمواقف والتوجيهات الصادرة عن الشيخ فاضل اللنكراني (حفظه الله) في نقده المعرفي، كانت موجهة بالأساس نحو التفسير الأول لفقه الأنظمة الذي طرحته وتبنته الأكاديمية الصوفية للعلوم الإسلامية. فعلى سبيل المثال، يذهب فقهاء فقه النظام للقول بامتلاكهم رؤية ومقاربة مغايرة حيال الفقه الحكومي؛ بينما يذهب الفقهاء الآخرون لتشريع الأحكام إما في قالب “الخطابات القانونية” (وهو مبنى الإمام الخميني المنسوب للآخوند الخراساني أيضاً)، وإما في قالب “القضايا الحقيقية” التي تنحل بانحلال أفراد موضوعها؛ غير أن أصحاب فقه النظام يزعمون أن الأحكام في رؤيتهم لا تنقسم إلى ثابت ومتغير، وهو طرح عارٍ عن الصحة ولا نصيب له من الواقع العلمي؛ لكوننا نملك أحكاماً ثابتة وأحكاماً متغيرة على كلا المبنيين؛ سواء استندنا للخطابات القانونية أم للقضايا الحقيقية؛ ويتحدث هؤلاء الأفراد في خمسة محاور تخصصية:
-
أن المكلف يمثل نظاماً ومجموعة متكاملة.
-
أن سنخ التكليف يباين التكليف الكفائي التقليدي.
-
أن العقاب والثواب يترتبان على نحو الإشاعة والمشاع.
-
أن الامتثال يقع بصورة مجموعية ومتناسقة للكل.
-
أن تطبيق النظام يكون على الكل، لا تطبيق العناوين الكلية على الأفراد والمصاديق الجزئية.
إن هذا الأسلوب يتبع منهجية وطريقة غريبة ومبهمة تكتنفها الضبابية والغموض؛ وتواجه تساؤلات وإشكالات علمية جادة؛ فحين يريدون تمثيل كون التكليف وامتثاله نظامياً، يسوقون مثالاً بـ “الجيش واللشكر” وكيف تترتب النتيجة إذا عمل الجيش بتمام أركانه بصورة صحيحة وكيف تضيع المنجزات وتفشل الخطط بوقوع خلل أو قصور في شق أو جبهة من جبهاته؛ وهو تمثيل ينطوي على خلط كبير وجاد بين مرحلة بناء وصياغة النظام وبين مرحلة الامتثال ومقام العمل الفعلي، وهو ما يقتضي البحث والنقاش التخصصي.
ونحن نؤمن يقيناً بأن علم الفقه والاجتهاد الأصولي يملك قابلية ذاتية للتكامل والرقي كما تبرهن على ذلك وقائع تاريخ الحوزة؛ فالرقي والازدهار المعرفي للاجتهاد منذ غيبة القائم (عج) وحتى عصرنا الراهن هو أمر جلي وواضح، وقابليته للتطور مستمرة لمستقبلنا الفكري؛ وتوجد في الحوزة طاقات وقدرات واسعة لتطوير علمي الفقه والأصول؛ فعلى سبيل المثال في حقل القواعد الفقهية، يمكننا صياغة وتأصيل قواعد تخصصية تحت مسمى “قواعد الفقه السياسي” لم يُنظر لقواعد الفقه من منظورها التخصصي هذا سابقاً؛ وحين تصفحت هذا المضمار وجدت ما يزيد عن خمسين قاعدة فقهية معتبرة تملك فاعلية كبرى وصلاحية للاستخدام في حقل الفقه السياسي، فالطريق مفتوح لتفعيل هذه القواعد وتوظيفها واستنباط قواعد فقهية معاصرة وجديدة بالضوابط العلمية؛ غير أن محاولة الالتفاف على مناهج الاستنباط وقواعده التراثية المعتبرة وابتكار مصادر وأساليب غريبة عن أصول الاستنباط بدعوى صياغة فقه الأنظمة، هو مسلك مجهول العواقب وقد يقود إلى تقويض معالم الفقه وهدم أحكامه بالكامل، ما لم يكن مقصودهم هو “الفقه الأكبر” وهو خارج عن محل البحث الفقهي التخصصي.
وعلى أية حال، تكتسب مسألة تفعيل دور عنصري الزمان والمكان في عملية الاستنباط -والتي نبه إليها الإمام الخميني وعمق ركائزها- أهمية بالغة ومصيرية في مسألة بناء الأنظمة وحسم قضايا العصر. وإذا زعم زاعم أن الاستفادة من عنصري الزمان والمكان يمثل منهجاً تجديدياً يباين المنهج المشهور والمعروف لدى فقهاء السلف في الاستنباط، فسيكون النزاع حينئذٍ نزاعاً لفظياً واصطلاحياً محاطاً بالمشاحة؛ والواقع يؤكد إمكانية تلبية متطلبات العصر وحسم قضايا إنسان العصر الراهن بالاعتماد على الفقه التقليدي الموروث شريطة تفعيل دور عنصري الزمان والمكان في عملية الاستنباط الفقهي؛ بينما يؤول إهمال هذين العنصرين بالفقه التقليدي إلى القصور والعجز عن معالجة التحديات؛ وتفعيل دور عنصري الزمان والمكان في عملية الاجتهاد لا يعني أبداً هدم قواعد الاستنباط أو تسييل أحكامه، وتفصيل وتوضيح حدود هذا التأثير له موضعه المخصص في البحث الأصولي التخصصي.