The news is by your side.

كان آية الله الهاشمي الشاهرودي يرى وجوب ألا تؤدي الاعتبارات الأمنية إلى انتهاك حقوق المواطنة

آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في حوار مع شبكة “اجتهاد”: كان آية الله الهاشمي الشاهرودي يرى وجوب ألا تؤدي الاعتبارات الأمنية إلى انتهاك حقوق المواطنة

تميز المرجع الراحل آية الله الهاشمي الشاهرودي بعمقه الفقهي وريادته في معالجة القضايا المستجدة وصياغة النموذج الإسلامي للملكية المعنوية.حماية حقوق المواطنة وصيانتها ركيزة أساسية لدى الفقيد، وكان يرى أن غياب مأسستها يوقع بعض الأجهزة التنفيذية والأمنية في مفسدة تضييع حقوق المتخلفين.

مثل رحيل المرجع الديني والفقيه الكبير آية الله السيد محمود الهاشمي الشاهرودي (قدس سره الشريف) صدمة وخسارة كبرى للأوساط العلمية والاجتماعية؛ إذ كان سماحته يُمثّل -إلى جانب شخصيته العلمية والسياسية البارزة- الحامل الأبرز للمدرسة الفكرية والعلمية لمرجعية الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر (قده).

وفي هذا الصدد، أجرت شبكة “اجتهاد” حواراً تخصصياً مع آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، أستاذ دروس الخارج في الفقه والأصول بالحوزة العلمية في قم المقدسة، ومن دعاة تعميق المنهج العلمي للشهيد الصدر؛ حيث يرى سماحته أن تنشئة وإعداد شخصية علمية كآية الله الشاهرودي تمثل واحدة من أعظم مآثر الشهيد الصدر وإنجازاته العلمية.

وفيما يلي النص الكامل للحوار:

منزلة الفقيد العلمية ومقاربته التجديدية للملكية المعنوية وحقوق المواطنة

شبكة اجتهاد: كيف تقيّمون المكانة العلمية والخدمات الجليلة التي قدمها المغفور له آية الله الهاشمي الشاهرودي؟

الأستاذ نورمفيدي: أتقدم بخالص التعازي والمواساة إثر رحيل آية الله الشاهرودي، الذي كان ركناً وأستاذاً بارزاً في الحوزة العلمية وخلّف مآثر وتصنيفات قيمة ومفيدة جداً؛ وأستعرض إجمالاً ملامح شخصيته العلمية بالتأكيد على أن أفقه الفكري ونظامه المعرفي كان متأثراً تأثراً عميقاً بمنهج أستاذه العظيم الشهيد الصدر (قده). فقد امتاز سماحته بجامعية علمية نادرة تحاكي جامعية أستاذه، فضلاً عن كونه دقيق النظر وعميق الاستدلال وقوي الحجة في تفصيل المباحث الفقهية والأصولية والوقوف على احتمالاتها المتعددة.

كما تميز ببراعة لافتة في الولوج للمسائل المستجدة وتأصيل التحديات المعاصرة التي تفتقر للبحث. وأشير هنا إلى نموذج يوضح هذه الريادة؛ ففي مبحث “الملكية المعنوية” (الفكرية)، طالعت مقالاً أو خطبة لسماحته يؤكد فيها وجوب دراسة وبحث الملكية المعنوية من عدة جهات وأبعاد تخصصية متلازمة؛ فتارة يُنظر إليها بوصفها حقاً مشروعاً ومكفولاً للمؤلف أو المخترع وصاحب الابتكار والجهد الفكري، وتارة تجب مراعاة النزعة الاحتكارية للشركات الرأسمالية الكبرى في الدول الغربية التي تسعى لمصادرة هذه الحقوق وحظر انتفاع الشعوب والآخرين منها، وتارة تجب مراعاة المعضلة القانونية التي يفرزها خلو القوانين واللوائح في البلاد من صياغة إطار شرعي للمسألة مما يسبب الفوضى واختلال النظم الاجتماعي والمالي، وتزامناً مع ذلك كله تجب مراعاة مبدأ العدالة الاجتماعية والإنصاف.

وبالضم والجمع بين هذه الأبعاد المتعددة، يطرح آية الله الشاهرودي رؤيته بالقول: “يتعين علينا إجراء دراسات فقهية دقيقة لصياغة نموذج إسلامي متكامل للملكية المعنوية وتقديمه للعالم؛ بحيث يضمن المزايا والضمانات الإيجابية للقوانين المعاصرة من جهة، ويحول دون الممارسات الاحتكارية وتضييع حقوق المواطنين والعباد من جهة أخرى”. والواقع أن التفاته الواعي لهذه الأبعاد المتشابكة يعكس عمقاً فقهياً نادراً ومغتنماً جداً.

ونرى نظير هذا السمو الفكري والوعي التجديدي في مقارباته لـ “حقوق المواطنة”؛ وحقيقةً أذكر كلمة قيمة ومترقية جداً لسماحته يعتبر فيها أن من أهم عوائق ومشاكل حقوق المواطنة في الجمهورية الإسلامية تكمن في “عدم مأسسة وتوطيد هذه الحقوق وثقافتها في مجتمعنا الإسلامي حتى الآن”؛ مما ينعكس سلباً في تعاطي بعض الأجهزة الأمنية وقوى الأمن الداخلي مع المتخلفين والمخالفين، فيقعون في انتهاك وتضييع حقوقهم كمواطنين بغير وعي.

وهذا فكر مترقٍ جداً، يجمع بموضوعية متكاملة بين صيانة حق الدولة وحاكميتها في حفظ الأمن والاستقرار، وبين رعاية وضمان صيانة حقوق المواطنة للعباد؛ مؤكداً صراحة أن “الدولة لا يسوغ لها التذرع بمسوغات الأمن والاعتبارات الأمنية للتنكر لحقوق الأفراد وبخسها، ولا يجوز التضحية بالعدالة والإنصاف في هذا المضمار”. وكان سماحته يرى وجوب صيانة الأنظمة الاجتماعية وتسيير الشؤون العامة بآليات تلتزم بالعدل وصيانة الحق؛ مما يثبت كونه فقيهاً نوانديشاً (تجديدياً مستنيراً) يتصف بالعمق والمعرفة الحقيقية بالتحولات المعاصرة، وبذل خدمات جليلة ومؤثرة جداً في هذه الساحات.

والمصاديق والشهادات في حقه كثيرة؛ ومنها تأكيده على وجوب تفعيل صلاحيات حلف الحاكم الإسلامي وإدارته المستندة إلى المصلحة الشرعية لإدارة وحفظ شؤون المجتمع. وفي مبحث “دية أهل الذمة” -والذي يذخر بتباين وتعدد آراء وأنظار الفقهاء قديماً- كان سماحته يلتزم بإمكانية إقدام الحاكم الإسلامي -بمراعاة المصلحة العامة وصيانة شؤون وحياة أهل الذمة في كنف المجتمع الإسلامي- على مساواة دية الذمي بدية المسلم تماماً؛ مستنبطاً هذا الحكم من قراءة ذكية لرواية معتبرة، ومبيناً أن هذا التقدير يتبع طبيعة وجودة عقد الأمان أو الذمة الذي تبرمه الدولة الإسلامية معهم.

إن الالتفات والاهتمام بتفنيد التشكيكات والإشكالات المثارة في العالم المعاصر بوجه أحكام الشريعة الإسلامية، يبرهن بوضوح على عمق فكره الحوزوي ووعيه بمقتضيات زمانه، مستنداً في استنباطه الاستدلالي إلى ذات المنهج التراثي المعتبر للقدماء؛ وعليه فإن فقدانه قد خلف ثلمة وخللاً كبيراً يورث الأسى.

صلة الفقيد العلمية بآراء ومنهج الشهيد محمد باقر الصدر

شبكة اجتهاد: من الواضح أن الفكر الأصولي الفريد للشهيد الصدر يتجلى بالكامل في كتاب “بحوث في علم الأصول”؛ ولكن هل يصح اعتماد مصنفات ومؤلفات المرحوم الهاشمي الشاهرودي كمرآة ومصدر للوقوف على بقية نظريات وآراء الشهيد الصدر؟

الأستاذ نورمفيدي: ثمة معطى أساسي يتعين إدراكه؛ وهو أن آية الله الشاهرودي كان متأثراً تأثراً عميقاً بالنظام الفکری والمعرفي الشامل لأستاذه الشهيد الصدر (قده). وله كلمات وتنبيهات قيمة تصف شخصية أستاذه وتؤكد هذا الارتباط الوثيق والجامع؛ فحين يعكف على تعريف الشهيد الصدر، يصفه بميزة فريدة وقلما نجد لها نظيراً لدى الأقدمين من علمائنا، وهي “جامعيته العلمية الفذة”. فمثلاً، في قراءته لتاريخ العترة الطاهرة وتوجيهاتهم، يشير إلى تطلع الشهيد الصدر لتقييم تاريخ الأئمة (عليهم السلام) وسيرتهم استناداً لنظرية كلية متكاملة تصوغ حركتهم وتصفهم بوصفهم «كُلٌّ مُتَنَاوِبٌ» يجمعه هدف ورسالة واحدة مشتركة، بالرغم من اختلاف الأدوار التاريخية.

وصحيح أن آية الله الشاهرودي كانت له تطلعات وخيارات فقهية مستقلة قد لا تتماثل في الجملة مع خيارات الشهيد الصدر التخصصية، غير أن تأثير منهج السير المعرفي للشهيد الصدر يظل واضحاً وجلياً جداً في مقالاته ومؤلفاته وحواره مع المسائل المستحدثة؛ وهو تمايز يبرز بوضوح في كتبه الفقهية المطبوعة والمنشورة؛ ككتاب الخمس، وكتاب الإجارة، وكتاب الزكاة، وكتاب الشركة، وكتاب المضاربة وغيرها، فضلاً عن تعليقاته العلمية الرصينة المطبوعة تحت عنوان «أضواء وآراء» في شرح بحوث الأصول؛ فمنظومة الشهيد الصدر المعرفية تنعكس بوضوح في منشورات تلميذه الشاهرودي، مع الحفاظ الكامل على استقلاله العلمي وصياغته لآراء تخصصية قيمة وخاصة به.

مساهمته الشامخة في تأسيس گفتمان “فقه بناء الأنظمة”

شبكة اجتهاد: كيف تقيّمون آرائه ومقارباته الفقهية في حقل إنتاج وتوطيد گفتمان “فقه بناء الأنظمة” (فقه نظام)؟

الأستاذ نورمفيدي: ينطوي اصطلاح “فقه نظام” على تفاسير وقراءات متعددة؛ وبالمعنى العام والشامل الذي التزم به الشهيد الصدر ومفاده أن الشريعة الإسلامية تشتمل يقيناً على أنظمة وتشريعات متكاملة، كان آية الله الهاشمي الشاهرودي يلتزم التزاماً حازماً بأن الإسلام ينطوي على أنظمة ويتحتم صياغتها ونشرها وتفعيلها في شؤون الحكم وبسط صلاحيات الحاكم لتأمين المصلحة العامة. فكان من الدعاة الأبرز والمؤيدين لخطاب فقه النظام، وثبت معالمه في مواضع متعددة؛ مبيناً أن صياغة النظم في الأحكام القضائية، ورعاية المصالح العامة، وصيانة حقوق المواطنة والواجبات الاجتماعية، تُمثّل الركائز الأساس الموجهة لفقه النظام وصناعة كفاءته. ويظهر هذا التوجه التجديدي بوضوح في المجلات العلمية والدراسات الصادرة برعايته؛ وتُمثّل مشاريع عظمى كموسوعة الفقه الإسلامي طبقاً لمذهب أهل البيت (ع)، والفقه المقارن، ودوائر المعارف، جهوداً جبارة لتوطيد ذلك الخطاب الفكري وتوجيه الحوزة والطلاب لبحوث فقه النظام.

حدود ومقومات ولوج مجتهدي الحوزة في المعترك السياسي

شبكة اجتهاد: هل ترون ولوج كبار علماء الدين وفضلاء الحوزة في المعترك السياسي عائقاً يحول دون رقي تقدمهم العلمي، أم يمثل بالنعكس باعثاً للنمو والازدهار المعرفي لديهم؟

الأستاذ نورمفيدي: ينطوي تعبير “الولوج في المعترك السياسي” على صور واحتمالات متباينة تجب دراستها وتفكيكها؛ فتارة نقصد بالولوج السياسي: تصدي العالم للمسؤوليات التنفيذية والإدارية والقيام بأعمال إجرائية تستهلك وقته وطاقته وتصرف ذهنه الحوزوي عن أبحاث الدرس ونظريات التحقيق الفقهي -وهي مسؤوليات وأعمال يسع الكوادر والمدراء الآخرين القيام بها بنجاح-؛ وإن هذا الولوج يمثل يقيناً عائقاً كبيراً يضر بالرقي والتقدم العلمي للحوزة ونخبها؛ وصحيح أن ضرورات قصوى قد تفرض هذا التكليف في بعض الظروف الاستثنائية، غير أنه مع خلو الساحة من الضرورات ووجود مدراء تنفيذيين أكفاء، فلا يوجد مبرر علمي أو شرعي لولوج الفقهاء المبرزين في السلك الإداري للدولة، بل يتعين عليهم صب جهودهم على تدريس الفقه وتأصيل النظريات وتربية وإعداد الطلاب والفضلاء.

وتارة نقصد بالولوج السياسي: الإلمام بالوعي واليقظة السياسية وتأصيل القضايا وصياغة النظريات وتفحص التحولات السياسية المحلية والإقليمية والدولية؛ وهو معطى يمثل واجباً وتكليفاً حتمياً لكل فقيه؛ بل يتعين على الفقيه المعاصر الإلمام التام بهذه الشؤون ليرسم أحكام الشريعة بوعي؛ فهذا الولوج لا يشكل عائقاً أبداً، بل هو الباعث الحقيقي لرشده وتطوير ملكته الفقهية المعاصرة ليكون فقيهاً قادراً على صياغة نظريات وتوجيهات عملية ونافعة تخدم مصالح الأمة والإسلام.