إن لم يكن الفقه معاصراً ومواكباً فليس بفقِه
آية الله السيد مجتبى نورمفيدي خلال ملتقى علمي: إن لم يكن الفقه معاصراً ومواكباً فليس بفقِه
معاصرة الفقه وحيويته من ذاتياته التي لا تنفك عنه؛ وحصر الفقه المعاصر في المسائل المستحدثة فحسب يضيق من مساحته المعرفية الشاملة.
إن الفقه المعاصر يستعين بالعلوم الحديثة، ويستمد أدواته ومخارجه من المناهج المعاصرة، ويعكف على إعادة قراءة وتقييم المسائل التراثية برؤية تخصصية ومنظور جديد.
صرح رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر للدراسات والبحوث، آية الله السيد مجتبى نورمفيدي، بأن الفقه المعاصر هو ذلك الفقه الذي يوظف العلوم والخبرات الحديثة، ويستمد أدواته ومخارجه من المناهج المعاصرة، ويعكف على إعادة قراءة وتقييم المسائل التراثية برؤية تخصصية ومنظور جديد؛ مؤكداً أن معاصرة وحيوية الفقه هي من ذاتياته التي لا تنفك عنه مطلقاً، وإن لم يكن الفقه معاصراً فليس بفقه بالمعنى الحقيقي. غير أن سماحته نبه في الوقت ذاته إلى أن تقليص مساحة الفقه المعاصر وحصره في دائرة “المسائل المستحدثة” بمفردها ينطوي على إشكالات ومحاذير معرفية.
وأفادت شبكة “اجتهاد” الإخبارية أن الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي قد تناول، خلال ملتقى بحثي تخصصي ضم محققي المعهد، الإطار المفاهيمي والدلالي لتركيب “الفقه المعاصر”؛ مؤكداً أن طبيعة وماهية الفقه المعاصر باتت تساؤلاً هاماً ومحورياً داخل الحوزة العلمية وخارجها؛ مستعرضاً خمسة محاور أساسية لتبيين هذا البحث تشمل: المصطلحات، الأرضيات، المقتضيات، مساحة البحوث، وأبواب المباحث.
مرتكزات ومحاور الاشتراك والتكامل مع الفقه الأصيل
وأكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي على وجوب صيانة ارتباط الفقه المعاصر بالبناء الفقهي الأصيل الحاكم طوال القرون الماضية؛ واصفاً معيار تقييم هذا الاشتراك والتكامل بينهما بأنه يرتكز على أربعة ركائز ومحاور أساسية: الأهداف، المبادئ والبنيان، المصادر، والمناهج والمقاربات.
وأضاف سماحته: “إن هذا المعيار يوضح وجوه الاشتراك والتمايز بينهما في آن واحد؛ فهما يشتركان بالكامل في الأهداف العامة والمقاربات الكبرى؛ لكون الفقه المطلق والفقه المعاصر يسعيان معاً لنيل هدف واحد وهو استنباط أو كشف الحكم الشرعي الفعلي من أدلته المعتبرة. وصحيح أننا نبتغي من الفقه المعاصر هدفاً خاصاً يُضاف إلى الفقه السنّي التقليدي -وهو تطوير وتوسيع عملية ودائرة الاستنباط-؛ لكون اتساع رقعة الحياة الفردية للبشر لتشمل الأبعاد الاجتماعية وبروز مفاهيم كـ (الشخصية الحقوقية أو الاعتبارية)، يفرض بالتبعية اتساع رقعة ومساحة الاستنباط وسوقها نحو عمق تفاصيل حياة البشر المعاصرة”.
وتطرق أستاذ دروس الخارج بالحوزة العلمية في قم المقدسة إلى تبيين محور “البنيان والمبادئ” قائلاً: “تتصف هذه المبادئ بوجود قواسم مشتركة بالغة الأهمية بين الفقه المعاصر والفقه التقليدي، لا سيما من حيث الجانب المعرفي؛ فالنظام الفقهي يستند في أساسه إلى القواعد والضوابط المعتبرة، ولكن حين نضع هذا البنيان في حقل القضايا المعاصرة، تتوسع العلوم والمناهج الموظفة في خدمته وتكتسب صبغة أكثر شمولاً.
أما من حيث محور المصادر، فإن مصادر الفقه المعاصر هي ذاتها المصادر الأربعة التقليدية المعتمدة (الكتاب، والسنة، والعقل، والإجماع)، غير أن الجهود الاستدلالية تسعى في الفقه المعاصر إلى معالجة وإصلاح الاختلال وعدم التوازن الحاصل بين دلالات الأدلة ومستنداتها في بعض الأروقة؛ لكي يتبوأ القرآن الكريم والدليل العقلي القطعي رتبتهما ومكانتهما الشامخة في الاستنباط”.
منهجية الاستدلال في كلمات الشهيد الأول والمحقق الخوئي
وأكد سماحته: “لقد شهدت بعض العصور التاريخية للفقه الشيعي تفعيلاً رائعاً لهذا المنظور؛ وتبرز هذه المقاربة بوضوح وجلاء في بعض استنباطات الشهيد الأول (قدس سره) أو صاحب الجواهر (قده). فعلى سبيل المثال، يذهب الشهيد الأول في بحث نزاع الزوجين حول تسليم الصداق، إلى القول بتقديم ادعاء الزوج وقوله؛ مبيناً أن هذا الحكم ناظر بالأساس إلى العرف السلوكي السائد في عصر صدور النص الروائي؛ حيث كان المتعارف في تلك الحقبة إقدام الزوج على تسليم ودفع الصداق بأكمله للزوجة في مطلع الزواج وقبيل الدخول بها”.
وأضاف آية الله السيد مجتبى نورمفيدي: “وفي تعاطينا مع الروايات الشريفة ونصوص السنة المطهرة، يتعين علينا تبيين وتحديد منهجية التعامل معها، والوقوف بدقة على رتبة وحدود آليات: تنقيح المناط، وإلغاء الخصوصية، ومناسبة الحكم والموضوع، والأولويات؛ وبحث ما إذا كانت هذه الآليات تنطوي بالأساس على صفة الاستظهارات اللفظية للنص أم لا؛ ومن ثم يتعين تبيين حدود ومستندات هذه المصادر”.
وصرح أستاذ دروس الخارج بالحوزة العلمية في قم: “وينسحب هذا المبدأ والمنهج الاستدلالي على دليل العقل والحديث الشريف على حد سواء؛ فعلى سبيل المثال، يُعد التمسك بـ (مذاق الشارع) أمراً مألوفاً وشائعاً في كلمات الفقهاء؛ ومن شواهده ما صاغه المحقق الخوئي (قدس سره) في أبحاث شروط المرجعية الدينية للمرأة؛ حيث بادر -بعد مناقشة ونقد الأدلة اللفظية المطروحة كافة- للاستناد والتمسك بمذاق الشارع المؤكد حرمة وصيانة زعامات النساء ومرجعيتهن للشؤون العامة. ونرى الأمر ذاته في صياغة (قاعدة نفي السبيل)؛ حيث يذهب طائفة من الفقهاء العظام -بعد مناقشة أدلتها اللفظية المتعددة- للاستناد إلى مذاق الشارع، مؤكدين صراحة عدم رضا الشارع المقدس بأن يكون للكافر سبيل أو سلطة على المسلم بأي نحو كان. واللافت أن مستندهم وركيزتهم في تشخيص مذاق الشارع في كلا الموردين يعود بالتحليل العلمي إلى الآيات القرآنية الشريفة والروايات المعتبرة”.
وأكد سماحته: “بناءً على هذا المنظور، فإن الفقه المطلق والفقه المعاصر، بالرغم من كونهما يسيران سوياً في المقاربات العامة والكبرى، إلا أنهما ينطويان على فروق وتمايزات واضحة في المقاربات الخاصة والتطبيقية”.
شمولية الفقه المعاصر وجامعيته للفقهيات المضافة
واستعرض رئيس معهد أبحاث الفقه المعاصر أسباب تقدم وأولوية تعبير “الفقه المعاصر” على بقية التعبيرات والفقهيات المضافة الأخرى؛ قائلاً: “إن المصطلحات كافة التي تبحث في حقل التجديد الفقهي -كالفقه الحكومي، والفقه الاجتماعي، والفقه الحضاري وما شاكلها- تدعي التباين والافتراق عن السيرة الفقهية التراثية؛ غير أن تعبير (الفقه المعاصر) يظل هو التركيب الاصطلاحي الأكثر شمولية وجامعية لكافة هذه العناوين. فالفقه المعاصر يعني بالدقة: ذلك الفقه الذي يوظف مخرجات العلوم الحديثة ويستنطق مناهجها المعاصرة، ويعالج القضايا والمسائل المستجدة والحديثة النشأة، تزامناً مع إعادة قراءة المسائل التراثية من منظور تخصصي معاصر؛ وهو الفقه المعني بالدرجة الأولى بعلاج مسائل وقضايا وعمليات إدارة المجتمع في العالم المعاصر وصياغة منظومته وفكره المتماسك”.
ونوه سماحته بالقول: “بمقتضى هذه القراءة، يتصف الفقه المعاصر بالجامعية الكبرى بين الأبواب المستجدة؛ فعلى سبيل المثال، يقتصر الفقه الحضاري على دراسة العمليات والمسارات المؤدية لإنتاج الحضارة وصيانتها؛ بينما يرتكز الفقه الحكومي على أصالة ومحورية الدولة والسلطة؛ ويقتصر الفقه الاجتماعي على دراسة الأبعاد الاجتماعية التي تذيب القيمة الفردية في معزل عن المجتمع”.
وأكد آية الله السيد مجتبى نورمفيدي في الختام: “إن الفقه المعاصر هو الفقه المعني بوضع القوانين والضوابط المنظمة لمسيرة حياة البشر وتطورها؛ ومعاصرة الفقه وحيويته هي من ذاتياته التي تلتصق به ولا تنفك عنه مطلقاً، وإن لم يتصف الفقه بالمعاصرة ومواكبة متطلبات العصر فليس بفقه يقيناً؛ فالفقه المعاصر يعني (الفقه الحيوي المتطور والمواكب للعصر)؛ وبطبيعة الحال فإن تقليص مساحة الفقه المعاصر وحصره في دائرة المسائل المستحدثة بمفردها هو طرح ينطوي على إشكالات ومحاذير معرفية”.