البلوغ عند الفتيات: دراسة فقهية
تعريف بكتاب الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي من قِبل شبكة “اجتهاد”
خلال العقود الماضية، من بين المصنفات الفقهية الفارسية التي تناولت موضوع بلوغ الفتيات بشكل خاص وقدمت دراسات شاملة ودقيقة ومتكاملة، يمكن الإشارة إلى كتاب “البلوغ عند الفتيات: دراسة فقهية” (بررسی فقهی بلوغ دختران)، وهو أثر قيم للأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي، حيث صدرت طبعته الأولى عن منشورات مركز الأئمة الأطهار (عليهم السلام) الفقهي في عام 1437-1438 هـ.
وقد ورد في تمهيد هذا الكتاب بيان الغاية من تأليفه في موضوع بلوغ الفتيات على النحو التالي:
“من جهة أخرى، يكتسب البحث في بلوغ الفتيات أهمية مضاعفة؛ ذلك لأن هناك جهوداً عالمية واسعة قد انطلقت اليوم تحت شعار رفع التمييز بين النساء والرجال، وتسعى مجموعات كثيرة لتوحيد الحقوق والواجبات بين المرأة والرجل. ومن البديهي أن يُستشكل في هذا السياق على القول المشهور لفقهاء الشيعة، وتوضع قدرة الفتيات على تحمل المسؤولية والتكليف في سن التاسعة موضع تساؤل”.
وبناءً على ذلك، واستناداً إلى هذا النهج، بدا من الضروري نشر خلاصة لنتائج هذا الأثر البحثي؛ علماً بأن هذا الكتاب، وإلى جانب استناده إلى المصادر الإسلامية الأصيلة، قد أولى اهتماماً بالآراء والأنظار الجديدة للعلماء المعاصرين، وسنكتفي في هذا المقال بالإشارة إلى النتائج الختامية لهذه الدراسات والبحوث.
يتألف هذا الكتاب من أربعة أقسام وخاتمة؛ حيث خصص القسم الأول للمباحث التمهيدية والأساسية مثل المعنى اللغوي للبلوغ وما يشابهه. وفي القسم الثاني، جرى تبويب ودراسة العلامات والأمارات الطبيعية لبلوغ الفتيات. بينما بحث القسم الثالث بشكل مفصل ومستفيض في سن بلوغ الفتيات والروايات المتعلقة بالسن دراسةً وتحقيقاً. وأخيراً، تناول القسم الرابع مسألة تعارض الروايات ودراسة الأقوال والحلول المختلفة لحل هذا التعارض، مع الدفاع عن الحل المختار. وفي الخاتمة، تم الإجابة عن بعض المسائل والأسئلة المتعلقة ببلوغ الفتيات.
القسم الأول: مباحث تمهيدية ومفاهيم أساسية
يذكر المؤلف في المبحث الأول من القسم الأول من الكتاب، في سياق دراسته اللغوية لثلاثة ألفاظ هي (البلوغ، الاحتلام، الإدراك):
“إذا نُسبت هذه الألفاظ إلى الصبي والغلام، فإنها تعني معنى واحداً، وهو الخروج من حد الطفولة والوصول إلى حد الرجال والنساء. ومن الأمور المختصة بالرجال والنساء هي الشهوة والميل القوي نحو الجنس الآخر”.
وفي المبحث الثاني (البلوغ في العرف)، يورد المؤلف:
“بناءً على ما ذُكر حتى الآن، يمكن استنتاج أن البلوغ من منظور الفقهاء هو البلوغ الجنسي، وكذلك بلوغ سن معينة، وبالإجمال هو الوصول إلى حد التكليف”.
وفي المبحث الثالث (الفرق بين البلوغ والتمييز والرشد)، ورد ما يلي:
“إذا كان البلوغ بمعنى البلوغ الجنسي، فإنه يغاير مفهوماً هذين المصطلحين؛ لأن البلوغ الجنسي أمر تكويني مرتبط بالجسد، بينما التمييز والرشد صفتان مرتبطتان بالقوة الذهنية والعقلية. وإذا كان البلوغ بمعنى الوصول إلى سن معينة أو بلوغ حد التكليف، فإن التغاير بناءً على التوضيحات الواردة يصبح أكثر وضوحاً”.
أما المبحث الرابع المتعلق بالبلوغ في القرآن الكريم، فيخلص إلى هذه النتيجة:
“إن الكلمات الثلاث: بلوغ النكاح، والحُلم، والأشدّ، والتي وردت على التوالي في الآية 6 من سورة النساء، والآية 59 من سورة النور، والآية 34 من سورة الإسراء وغيرها من الآيات، تشير فقط إلى معنى البلوغ، ولم يُطرح في هذه الآيات مسألة سن البلوغ”.
ويورد الأستاذ نورمفيدي تنبيهات في المبحث الخامس؛ حيث يصل في دراسته لتعبيرات الفقهاء عن البلوغ إلى هذه الخلاصة:
“يبدو أنه يمكن إدراج جميع هذه التعبيرات تحت العناوين الثلاثة العامة التالية: 1- نفس البلوغ، 2- علامة البلوغ، 3- الدليل على سبق البلوغ. فالأول هو الكمال الطبيعي للإنسان على التوليد والتناسل، والثاني هو الأمور التي تكشف عن وصول الإنسان إلى هذا الكمال الطبيعي، والثالث يدل على الكشف عن تحقق الكمال المذكور في زمن سابق”.
وفي نهاية المبحث يذكر:
“إذا شككنا في ثبوت التكليف على الفتيات في برهة زمنية معينة، فإنه بمقتضى عمومات وإطلاقات أدلة التكاليف، يُحكم بثبوت التكليف”.
القسم الثاني: العلامات والأمارات الطبيعية للبلوغ
بعد ذلك، يلج الكاتب في القسم الثاني المخصص لأهم العلامات الطبيعية للبلوغ. ويذكر في المقدمة:
“إذا أردنا تقديم قائمة بالعلامات والأمارات المشتركة مع الذكور وتلك المختصة ببلوغ الفتيات المذكورة في الكتب الفقهية، فيمكننا الإشارة إلى الموارد التالية: 1- إنبات الشعر الخشن على العانة، 2- خروج المني، 3- الحيض، 4- الحمل”. أما المخرجات والعلامات الأخرى، فلم يلقَ أي منها قبولاً لدى الفقهاء.
وفي المبحث الأول من الفصل الأول تحت عنوان “أدلة ثبوت التكليف لدى الفتيات بإنبات شعر العانة”، تنتهي تحقيقاته إلى هذه النتيجة:
“يُستفاد من مجموع هذه الروايات أن إنبات شعر العانة من العلامات الطبيعية التي يثبت بها التكليف، ووضوح دلالتها على المدعى أمر قابل للدفاع. ومن حيث السند، فإن ضعف أسانيد بعض هذه الروايات يُجبر بالشهرة الفتوائية والعملية، كما صرح بذلك المحقق الأردبيلي”.
ويشير أستاذ الحوزة العلمية في الصفحة 97 من هذا الكتاب إلى نقطة بالغة الأهمية في منهجية الدخول إلى بحث بلوغ الفتيات:
“بشكل عام، هناك فرق أساسي وجوهري بين رأي المشهور وما نسعى إليه في هذا المقام؛ والمتمثل في أن المشهور يجعلون مناط البلوغ عند الفتيات هو سن التاسعة، ويدرسون جميع العلامات الطبيعية من هذه الزاوية وهل هي كاشفة عن بلوغ الفتاة سن التاسعة أم لا. في حين نرى نحن أن العلامات الطبيعية ومسألة السن يجب أن يُبحث كل منهما بشكل مستقل، وهو المنهج الذي اخترناه وسرنا عليه”.
وفي الفصل الأخير من هذا الباب، يضع المؤلف “إنبات شعر العانة دليلاً على سبق البلوغ لا علامة عينية متزامنة عليه”، ويرفض قصر إنبات الشعر على العانة فقط، بل يعتبر إنبات شعر الإبط والشعر حول الدبر دليلاً على سبق البلوغ أيضاً.
وفي بداية الفصل الثاني المتعلق بعلامة (خروج المني)، يعتبر الأستاذ نورمفيدي هذا الأمر العلامة الثانية للبلوغ. وفي بحث العلاقة بين الاحتلام وخروج المني في عبارات الروايات والعلماء، يقول:
“يمكن استنتاج أنهما في الحقيقة يعبران عن واقع واحد”.
ويشرح النتيجة العامة لهذا الفصل في نهايته قائلاً:
“إن النتيجة المستخلصة من الفصل الثاني هي أن خروج المني هو مبدأ بلوغ التكليف وتنجزه لدى الفتيات، ولا تعارض أدلته مع أدلة سائر الأمور التي جُعلت مبدأ لثبوت التكليف لدى الفتيات؛ إذ لا يُستفاد الحصر من أدلة خروج المني والاحتلام. والدليل الوحيد الذي قد يتعارض مع هذه العلامة هو روايات السن، وهو ما سنبحثه في موضعه المخصص”.
وصيغ الفصل الثالث في علامة الحيض. ومن خلال استقصاء أدلة ثبوت التكليف لدى الفتيات بواسطة الحيض، يصل المؤلف إلى هذه النتيجة:
“على الرغم من أن بعض هذه الروايات مخدوش من حيث السند وبعضها الآخر من حيث الدلالة، إلا أنه يمكن بالعموم الاستفادة من هذه الروايات بأن الحيض هو مبدأ لتعلق التكليف بالفتيات”.
وفي الختام، وللإجابة عن هذا التساؤل: هل الحيض علامة على البلوغ، أم أنه دليل على تحقق البلوغ في زمن سابق؟ يخلص إلى هذه النتيجة:
“بالنظر إلى معنى البلوغ (وليس وفقاً لرأي المشهور)، يبدو أنه ليس هناك دليل على سبق البلوغ؛ بل إن استعداد الفتاة للتوليد والتناسل وكمالها الطبيعي يبدأ مع الحيض، وقبل ذلك لا يتحقق هذا الكمال الطبيعي. حتى إن البعض يرى أن: «ظهور الحيض ليس علامة كاملة على البلوغ، ولا يحصل الاستعداد للتوليد والتناسل مع أول حيض» (1). ومع الالتفات إلى هذا الأمر، كيف يمكن للحيض أن يكون دليلاً على تحقق الكمال المذكور في الزمن الماضي؟ إذن، بالنظر إلى معنى البلوغ، فإن الحيض في حد ذاته وبغض النظر عن سائر الأدلة يمثّل مبدأً لثبوت التكليف لدى الفتيات”.
وفي نهاية القسم الثاني، تُبحث سائر العلامات الطبيعية؛ ومنها “الحمل” الذي يُعتبر دليلاً على تحقق البلوغ في زمن سابق. بينما تُرفض علامة “الطول” كمبدأ لثبوت التكليف. وعن سائر العلامات مثل الزواج والدخول وغيرها، يصل المؤلف إلى هذه النتيجة:
“على أية حال، لم يفتِ أحد من الفقهاء بناءً على هذه الأمارات”.
القسم الثالث: السن ومقاييسه الشرعية
أما القسم الثالث المخصص لبحث “السن”، فيطرح الأستاذ السيد مجتبى نورمفيدي في بدايته ثلاثة احتمالات:
-
الاحتمال الأول: أن يكون السن بمنزلة الاحتلام والحيض علامة من العلامات الطبيعية للبلوغ الجنسي بوصفه مبدأً لتنجز التكليف وثبوته.
-
الاحتمال الثاني: أن يكون السن أمارة تعبدية على البلوغ الجنسي والكمال المذكور.
-
الاحتمال الثالث: ألا يكون السن أمارة على البلوغ الجنسي مطلقاً، بل يكون هو بنفسه وبصورة مستقلة مبدأ لثبوت التكليف.
وفي سياق اختيار أحد هذه الاحتمالات، يذكر المؤلف:
“على أية حال، يترجح الاحتمال الثالث على الاحتمالين الآخرين في الجملة”.
ويلج سماحة الأستاذ بعد ذلك في مبحث تحديد رقم السن؛ ونظراً لتطرقه المسبق إلى بحث الآيات وتأكيده على عدم إشارتها إلى سن معينة، فإنه يقتصر على دراسة روايات هذا الباب لمعرفة ما إذا كان الشرع قد حدد سناً معينة لثبوت التكاليف والحقوق على الفتيات أم لا. وفي الإجابة عن هذا السؤال، وبعد دراسة كاملة للروايات المرددة وغير المرددة، يحكم بتقديم روايات سن التاسعة على سائر روايات السن. وفي الخلاصة المقدمة في الصفحة 246 يذكر:
“يبدو أن روايات سن التاسعة مقدمة على روايات سن الثالثة عشرة والعاشرة؛ لأنه يوجد بين روايات سن التاسعة عدة روايات صحيحة السند، في حين أن أهم روايات سن الثالثة عشرة هي رواية عمار الساباطي وهي موثقة فحسب. كما أن رواية سن العاشرة ليست صحيحة من حيث السند، ومن حيث الدلالة لا يبعد حملها على إكمال سن التاسعة والدخول في العاشرة. وحتى لو لم نقبل هذا الحمل، فإن روايات سن التاسعة تظل هي الراجحة؛ لتمتعها بالشهرتين الروائية والعملية معاً”.
القسم الرابع: تعارض الروايات والحلول المقترحة
وينتهي هذا القسم بهذه النتيجة، ليدخل الأستاذ نورمفيدي في القسم الهام المتعلق بـ “التعارض بين روايات سن التاسعة وروايات الحيض أو الاحتلام”، وهو البحث الذي وعد مراراً بدراسته وبحث الحلول المطروحة له من قبل العلماء، وتشهد المحافل العلمية وغير العلمية اليوم نقاشات مستفيضة حوله.
ويبدأ الأستاذ نورمفيدي في توضيح كيفية هذا التعارض قائلاً:
“من جهة، ذكرت روايات الاحتلام والحيض هذين الأمرين بوصفهما علامة على البلوغ وثبوت التكليف، ومقتضى قبول هذه الروايات هو عدم مدخلية السن في البلوغ وثبوت التكليف. ومن جهة أخرى، جاءت روايات سن التاسعة لتجعل من هذا السن حداً لبلوغ الفتيات وزمن تعلق التكليف بهن، ومقتضى قبول هذه الروايات هو عدم مدخلية الاحتلام والحيض في هذا الشأن”.
ويقدم أستاذ الحوزة العلمية سبعة حلول لهذا التعارض -بخلاف الحل المختار الذي ارتضاه لنفسه- وهي على التوالي تعود إلى الشخصيات التالية:
-
الفيض الكاشاني (مفاتيح الشرائع، المفتاح الثاني، ص 14).
-
آية الله الشيخ محمد هادي معرفة (كاوشى در فقه، ص 251).
-
آية الله يوسف الصانعي (وفق تقرير أحد تلامذته).
-
آية الله السيد محمد البجنوردي (بلوغ دختران، ص 257).
-
آية الله محمد إبراهيم الجناتي (بلوغ دختران، ص 267).
-
آية الله جعفر السبحاني (البلوغ، ص 57) وصاحب الجواهر (جواهر الكلام، ج 26، ص 44).
-
الأستاذ مهدي المهريزي (بلوغ دختران، ص 173).
وبعد نقل ودراسة هذه الحلول السبعة، يستعرض المؤلف الحل المختار الذي يراه خالياً من إشكالات الحلول السابقة، ونكتفي هنا بذكر خلاصة له:
“لقد جُعل سن التاسعة من قبل الشارع بوصفه مبدأً للبلوغ وزمن ثبوت التكليف، وهو في رأينا ليس أمارة طبيعية على البلوغ، بل هو معيار مستقل لثبوت التكليف كما ورد في الروايات أيضاً. ولكن بمقتضى طائفة أخرى من الروايات، إذا كانت الفتاة مجهولة السن -كما كان معتاداً في السابق لعدم ضبط تاريخ الميلاد- فإنه يُحكم ببلوغها مع ظهور الحيض والاحتلام. وبعبارة أخرى، كأن الشارع قد قدم ضابطتين: الأولى لمن يعرفن سنهنّ والمعيار هنا هو سن التاسعة، والأخرى لمجهولات السن حيث يثبت التكليف في حقهن بظهور العلامات الطبيعية”.
ويجيب الأستاذ نورمفيدي عن جميع الإشكالات الثمانية الواردة على حله المختار، ويختتم الكتاب بقسم الخاتمة.