الدرس الثامن عشر، الآية 62، تفسير الآية، القسم الثاني
الدرس الثامن عشر
الآية 62 – تفسير الآية – القسم الثاني: «من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحاً» – الركائز الأربع للسعادة الأبدية – الملازمة بين الركائز الأربع
11 جمادى الآخرة 1447 هـ
القسم الثاني: «مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا»
القسم الثاني من الآية 62 هو قوله تعالى: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) [البقرة: 62]. وقد ذكرنا أن هذه الآية تشير إلى ثلاثة عناصر لنيل الفلاح والنجاة والفوز بالأجر الأخروي الأبدي، ورفع الخوف والحزن والاندحار؛ وهذه العناصر الثلاثة هي: الإيمان بالله، والإيمان بالمعاد، والعمل الصالح. والتوضيح الذي يتعين تقديمه في هذا القسم يدور حول سبب عدم ذكر الإيمان بالنبؤة هاهنا، ونسبة العمل الصالح إلى الإيمان؛ حيث تبرز هنا عدة نقاط يجب تبيانها وتوضيحها.
الركائز الأربع للسعادة الأبدية
بشكل عام، لا ريب في أن الفلاح والنجاة وحيازة الأجر والثواب الإلهي الدائم، ونفي الخوف والحزن، رهنٌ بالاعتقاد والعمل معاً؛ أي إنه يجب علينا الاعتقاد بأصول الدين والعمل بفروعه. فأصول الدين هي: التوحيد، والنبؤة، والمعاد؛ وأما فروع الدين فتشمل تلك الأمور العشرة المشهورة، أو ما كان أعم منها ليشمل الواجبات والمحرمات قاطبة؛ وهذا هو واقع الحال بالفعل. فحينما نتحدث عن الصلاة مثلاً، لا نقصد مجرد ذات الصلاة فحسب، بل الصلاة مع جميع أحكامها التفصيلية وجزئياتها؛ أي الصلاة بفروعها وتفاصيلها. فالصوم، والحج، والجهاد، والزكاة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وحتى التولي والتبري التي تُعد من فروع الدين، كلها توفر الأرضية الصالحة لنيل السعادة. فإذا كان الإنسان من حيث الاعتقاد والإيمان معتقداً بالتوحيد وخاتمية النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) والمعاد، وأتى بالعمل الصالح، تترتب عليه تلك الآثار بالتبع. وهذا هو الإطار العام للمسألة.
بيد أنه في مقام البيان، يشير الله تبارك وتعالى في القرآن الكريم تارةً إلى عنصر واحد من هذه العناصر الأربعة، وتارةً أخرى إلى عنصرين. فمثلاً في قوله تعالى: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) [الأنبياء: 25]، وقوله: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) [النحل: 2]، يقتصر على ذكر ذاته تبارك وتعالى والمبدأ فحسب؛ حيث يقول: لا معبود بحق إلا أنا فاعبدوني وحدي؛ ولا إله إلا أنا فاتقوني. وفي موضع آخر يقرن الإيمان بالعمل الصالح: (إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ * إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ) [العصر: 2-3]؛ وهنا لم يذكر متعلق الإيمان وما يجب الإيمان به. وإذا ذُكر الإيمان بشكل مطلق، فإنه يستوعب الأصول الثلاثة كلها؛ أي المبدأ والنبؤة والمعاد. وتارةً أخرى يقتصر على ذكر الإيمان بالمبدأ والمعاد دون ذكر العمل الصالح. غير أن الترابط والاتصال بين هذه العناصر يمنع انفكاكها وتفريقها عن بعضها بالمرة؛ وحتى في الموضع الذي يقتصر فيه الذكر على عنصر الإيمان بالمبدأ، فإنه يتضمن بالتبعية الإيمان بالنبي الخاتم (صلى الله عليه وآله وسلم) والإيمان بالمعاد والإتيان بالعمل الصالح. ولذلك يقرر سبحانه أن المؤمنين واليهود والنصارى والصابئين إذا وفروا في أنفسهم هذه الشروط والركائز الأربع، فإن الأجر الإلهي الأبدي الذي لا ينفد سيكون نصيبهم.
الملازمة بين الركائز الأربع
وكيف تثبت الملازمة والترابط بين هذه الركائز؟ أما الاعتقاد بالمبدأ فواضح؛ إذ إن من يعتقد بالله مدبراً ورباً وخالقاً ومديراً لهذا الكون، يعلم يقيناً أن الله تبارك وتعالى هو الخالق وهو الرب أيضاً؛ يحفظ هذا الكون ويرعاه ويصونه؛ وأنه سبحانه خلق البشر لغاية حكيمة ولم يخلقهم عبثاً ولا سدى. والحكمة من خلق الإنسان هي الابتلاء والامتحان، وتهيئة الأرضية لبلوغ الكمال، وسائر الغايات المفصلة في موضعها. وبطبيعة الحال، فإن هذا الإنسان سيُسأل يوماً ما ويُحاسب؛ فالإله الذي خلق الإنسان للامتحان والابتلاء، لا بد أن يسائله يوماً ويحاسبه على أعماله وممارساته؛ نظراً للفرض القائم بأن الله لم يخلق هذا الكون عبثاً بل خلق ببالغ الحكمة. وعليه، فإن الاعتقاد الصحيح بالمبدأ يتضمن بالضرورة الاعتقاد بالمعاد أيضاً؛ ومتى ما تلقى الإنسان مفهوم المبدأ بصورة صحيحة، انبثق منه الاعتقاد بالمعاد تلقائياً؛ أي إنه يؤمن بالمعاد حتماً. والاعتقاد بالمبدأ متلازم مع الاعتقاد بالمعاد.
والمعاد بدوره إذا كان يعني حساب الإنسان ومجازاته على أعماله، فإن الإنسان يدرك بالوجدان أن هذا الحساب لا يمكن تلقيه وتفصيل شرائعه إلا عن طريق الوحي؛ إذ يعجز الإنسان بمفرده ودون وحي عن كشف خارطة طريق حياته وسلوكه. ولذلك عندما يأمر الله تبارك وتعالى بقوله: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) أو قوله: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ)، فإن العبد يتساءل: كيف أعبده وكيف أتقيه؟ وهذا التساؤل يهديه ويرشده نحو النبؤة؛ أي نحو الرسول الذي يبين له سبيل التقوى والعبادة الإلهية. إذن، فإن نفس الأمر بالعبادة والتقوى يتضمن الإيمان بالنبؤة بالتبع. ومن هنا، يثبت تلازم الإيمان بالمبدأ مع الإيمان بالمعاد، وتلازمهما معاً مع الإيمان بالنبؤة.
وأما العمل الصالح، فهو عبارة عن الكيفية العملية للتقوى والعبادة الإلهية (العبادة بمعناها العام). فكل ما أمر به الله ورسوله ونهيا عنه هو من مصاديق العمل الصالح؛ فكل الأوامر والنواهي تندرج تحت عنوان العمل الصالح. وبناءً عليه، لو آمن شخص بالمبدأ والمعاد والنبؤة ولكنه خلا من العمل الصالح، فإنه لن يدرك الفلاح والنجاة؛ ومثله كمثل مريض يراجع الطبيب فيأخذ منه الوصفة والدواء ولكنه لا يستعمل الدواء؛ فمن الواضح أنه لن يبرأ ولن ينال الشفاء. فالعمل الصالح بمنزلة العمل بوصفة الطبيب لنيل الشفاء والعلاج؛ والأمر هنا يسير على ذات النسق؛ فالعمل الصالح هو الذي يضع العبد في جادة التقوى والعبادة الإلهية الحقة.
فبحسب الواقع والوجدان، تمثل هذه الركائز الأربع مجتمعةً عوامل وصول الإنسان إلى السعادة والأجر الإلهي الذي لا ينفد; وهي ركائز لا تقبل التفكيك والانفصال مطلقاً. ومن هنا، فعلى الرغم من أن هذه الآية اقتصرت في ظاهر لسانها على ذكر ثلاث ركائز، إلا أن الركيزة الرابعة مستترة ومنطوية فيها بلا ريب. فقد ذكر سبحانه قوله: (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) دون التصريح بالنبؤة؛ بيد أن استخراج النبؤة من مطاوي هذه الآية يفتقر إلى مؤونة علمية أقل بكثير مما يتطلبه استخراج هذه الركائز من آية كـ قوله: (لَا إِلَٰهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). فهناك ثلاث ركائز صُرّح بها، والنبؤة منطوية في صلب هذه الاعتقادات بالتبع؛ ولو لم تكن موجودة لما تحقق الأثر المطلوب يقيناً.
وهذا التفصيل يدعم ويقوي الإجابة التي قدمناها في الجلسة الماضية لدفع تلك الشبهة؛ إذ يمتنع على من آمن بالإسلام أو كان يهودياً أن يقول: أنا مع تحفظي على يهوديتي مؤمن بالمبدأ والمعاد وأعمل صالحاً، فيشملني قوله سبحانه: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) ويشملني قوله: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ). كلا، ليس الأمر كذلك مطلقاً. فاليهودي والنصراني والصابئي، مع بقائهم على دياناتهم المحرفة وبمجرد دعواهم الإيمان بالله والمعاد والعمل الصالح، لا تشملهم هذه الآثار المترتبة في الآية الكريمة.
السؤال: …
الأستاذ: إن الله تبارك وتعالى لا يضيع أجر المحسنين من عباده بناءً على خصالهم الحسنة وسجاياهم الحميدة التي يتصفون بها. ومثاله: الكافر الذي يكون من أهل الإحسان والبر، كـ حاتم الطائي مثلاً، فإنه يرى ثواب صنيعه وأثره بحسب اتصافه بهذه الصفة والخلق المرضي؛ ولكن الشأن المهم يكمن في جهة الاعتقاد؛ لِمَ لَمْ يقبل التوحيد ولم يؤمن بالمعاد ولم يذعن لنبوة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)؟ فهذا ما يجب أن يتضح وجلياً.
وتارةً يكون الجهل قصورياً وتارةً يكون تقصيرياً، وهناك فارق بيّن بين الاثنين. فالكفار والمشركون ينكرون تارةً عناداً ولجاجاً، وينكرون تارةً أخرى لجهلهم؛ ومن الأهمية بمكان أن يكون جهلهم قصورياً؛ بمعنى عدم خطور احتمال الحق ببالهم أصلاً؛ أو يكون جهلهم تقصيرياً. وحتى لو كان إنكارهم ناشئاً عن العناد واللجاج، فإنهم قد يثابون ببعض الوجوه نظير أعمالهم الحسنة وسلوكهم المرضي؛ ولكن الأجر والخلود الأبدي لا يشملهم بالقطع واليقين. وسنبين لاحقاً أن قوله تعالى: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) دال على أبودية الأجر وخلوده؛ ونفي الخوف والحزن في قوله: (وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) منتفٍ في حقهم بالتمام؛ بل يختص بمن حاز هذه الركائز الأربع مجتمعةً.
وإلا، فلو قلنا إن هناك يهودياً صالحاً يؤمن بالله وبالمعاد ولكنه لا يؤمن بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، ويعمل صالحاً بمقتضى شريعته كعدم الكذب والظلم والربا، فإنه ينال أجر عمله بمقداره؛ ولكنه ينطوي على كبريات المهالك والمعاصي؛ إذ الكفر والشرك أعظم الظلم والذنوب قاطبة. فإذا كان جاهلاً قاصراً عُومل بنحو، وإذا كان مقصراً عُومل بنحو آخر. نعم، قد يشملهم تخفيف العذاب، وقد ينعمون ببعض النعم الأخرى، ولكن قوله سبحانه: (فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ) يختص حصراً بمن حاز هذه الركائز الأربع معاً وتلبس بها بالتمام.