The news is by your side.

الدرس الثاني عشر، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الخامس

الدرس الثاني عشر
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الخامس: «ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ…» – المطلب الثاني – الوجه الأول – الوجه الثاني – الوجه الثالث – المطلب الثالث – المطلب الرابع – المطلب الخامس

6 جمادى الأولى 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

تكلمنا في الجلسة الماضية عن المقطع الخامس من الآية 61، وأشرنا إلى وجود عدة مطالب يتعين الوقوف عليها ودراستها؛ حيث كان المطلب الأول يدور مدار تحديد المشار إليه بـ (ذَلِكَ) الثانية. وقد استعرضنا جملة من الاحتمالات والوجوه المقررة في هذا المضمار، ثم انتهى بنا المطاف إلى ترجيح أحد هذه الاحتمالات تماشياً مع القواعد التفسيرية والظهور العرفي.

المطلب الثاني

بما أن قتل الأنبياء يعدّ مصداقاً من مصاديق الكفر، يثار هاهنا سؤال وجيه: ما هو وجه التكرار في الآية الكريمة حينما عطف قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) على قوله: (يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ)؟ إذ إن قتل النبي كفر بالضرورة، وحينئذٍ يكون قوله (يَكْفُرُونَ) شاملاً لقتل الأنبياء تلقائياً، مما يوهم لزوم التكرار المستهجن صناعةً. ولحل هذه الشبهة، يمكن سلوك طريقين: فإما أن نذهب إلى أن هذا العطف من قبيل عطف الخاص على العام نكتةً وعناية؛ وإما أن نذهب إلى أن المراد بـ (يَكْفُرُونَ) هو خصوص الجحود والإنكار الناشئ عن العناد واللجاج لا عن مجرد الجهل، في حين يمثل قتل الأنبياء عنواناً مستقلاً وفعلاً خارجياً شنيعاً يقابل الكفر الاعتقادي في الأهمية والخطورة. وقد أراد السياق القرآني بيان اتصاف بني إسرائيل بهاتين الرذيلتين (الإنكار الاعتقادي والجريمة العملية). وبناءً على هذا التفسير الأخير، لا يندرج قوله (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ) تحت عموم قوله (يَكْفُرُونَ).

المطلب الثالث

ورد في الآية الكريمة قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) في قوله تعالى: (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ)، وهذا القيد يبدو بدواً كأنه قيد احترازي لتقسيم قتل الأنبياء وتنوعه إلى نوعين؛ نوع يقع بحق، ونوع آخر يقع بغير حق، وهو فرض باطل يمتنع المصير إليه قطعاً؛ إذ إن قتل الأنبياء لا يكون أبداً إلا بغير حق، ولا يمكن تصوير قتل النبي متصفاً بالحق والعدل شرعاً وعقلاً. ولدفع هذه الشبهة وتوجيه القيد المذكور، يمكن طرح وجوه ثلاثة:

الوجه الأول

الوجه الأول مفاده أن الإتيان بالباطل والكفر تارةً يكون بحق وأخرى بغير حق (بالمعنى الإضافي للمكلف)؛ والوجه في كون الإتيان بالباطل بحق هو أن يعتقد المكلف عقيدة باطلة أو كفرية جراء شبهة قوية عرضت لقلبه وعجز عن دفعها، فهو معذور لجهله وقصور معرفته، بخلاف من يأتي بالباطل ويكفر مع علمه ببطلان عقيدته ووقوفه على حقيقتها، فيسلك سبيل الكفر لجاجاً وعناداً ونفاقاً. وعليه، فإن ذكر قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) هنا يرجع إلى الكفر والإنكار؛ أي (يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ الْحَقِّ)؛ نظراً لأن اعتقادهم وسلوكهم لو كان ناشئاً عن شبهة عارضة غير مقصودة لربما جاز لهم في معتقدهم الخاطئ قتل من يخالفهم، بينما الواقع أنهم ارتكبوا قتل الأنبياء والكفر بآيات الله عن جحود وإنكار تام وعلم بقبح صنيعهم، فكان قتلهم للأنبياء موصوفاً بكونه بغير الحق لغةً وواقعاً.

الوجه الثاني

الوجه الثاني يذهب إلى أن قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) ليس قيداً احترازياً مسوقاً لتقسيم القتل وتنويعه إلى ما هو بحق وما هو بغير حق، بل هو قيد توضيحي جيء به لغرض التأكيد والتقبيح. فالسياق يعلم أن قتل الأنبياء لا يقع إلا ظلماً وعدواناً، وإنما ذكر القيد لبيان شناعة الفعل وتأكيد كونه متمحضاً في مجانبة الحق والصواب.

الوجه الثالث

الوجه الثالث يقوم على فرضية أنه لو خلا النص من قيد (بِغَيْرِ الْحَقِّ) واكتفى بقوله (يَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ)، لربما أشكل مشكل بأن القتل قد يصدر من الله تعالى إماتةً أو تقديراً، فهل مجرد موتهم أو قتلهم كافٍ للاستحقاق؟ فكأن الحق سبحانه وتعالى أراد التنبيه هاهنا على أن القتل الصادر من ناحية الله وقدره هو القتل بالحق والعدل والمصلحة، بينما القتل الصادر من ناحية الجناة والمعتدين هو قتل بغير حق وعدواناً محضاً.

المطلب الرابع

المطلب الرابع يتعلق بالصيغة الفعلية المستخدمة؛ حيث إن التعبير بصيغة الاستمرار في قوله تعالى: (كَانُوا يَكْفُرُونَ) وفي عطف (وَيَقْتُلُونَ) عليه، يفيد بوضوح استمرار صدور هذه الأفعال الشنيعة وتكرارها من بني إسرائيل كمنهج وسجية مطردة. فالخالق سبحانه وتعالى يريد تبيين أن حلول المسكنة والذلة بهم واستحقاقهم للغضب الإلهي في الدنيا والآخرة، لم يكن عقوبة على فعل آحاد وصادر لمرة واحدة، بل كان جراء إصرارهم واستمرارهم على الكفر وسفك دماء الأنبياء. وهذا الاستمرار يعكس تغلغل الكفر في نفوسهم حتى صار ملكة وسجية ثابتة لهم؛ إذ بالرغم من تواتر المعجزات والآيات البينات وتلبية سائر مطالبهم وأمانيهم، ظلوا يختلقون الذرائع الواهية ويبادرون بالكفر بآيات الله وقتل أنبيائه ورسله.

السؤال: هل يعقل أن قوماً قد قتلوا سبعين نبياً في ليلة واحدة؟ فالقتل وسفك الدماء طالما كانا موجودين في التاريخ على أيدي السفاكين والظلمة كالحجاج وغيره ممن أبادوا أعداداً غفيرة من البشر؛ فما وجه الخصوصية هنا؟

الأستاذ: سفك الدماء والقتل الجماعي أمر واقع تاريخياً بلا ريب؛ غير أن وجه الخصوصية والبحث هاهنا يدور حول إقدام هؤلاء على قتل الأنبياء والرسل بخصوصهم، مع علمهم التام بنبوتهم وعن قصد وعمد وإدراك لقبح فعلهم شرعاً وعقلاً. وهذا لا ينافي ما ذكرناه؛ نعم، إذا نظرنا إلى المسألة نظرة جزئية وموردية لربما استشكلنا ذلك، ولكننا أكدنا مراراً أن العواقب الوخيمة المترتبة على أفعالهم وضُروب الذلة والمسكنة التي حلت بهم لم تكن فورية ومباشرة في زمن المعصية نفسه، بل الآية ترجع الأمر وتكل الوعيد إلى المستقبل التابع. فالثابت تاريخياً أن بني إسرائيل لم يقعوا في ربقة الذلة والمسكنة الشديدة عقب رحيل نبي الله موسى (عليه السلام) مباشرة، بل لعل هذا الغضب والذلة قد استقرا في أجيال متعاقبة تلت ذلك العصر؛ والسبب في ذلك أنهم كانوا يقابلون كل معجزة وكرامة وإمداد غيبي بالإنكار والتجاهل والجحود والنكران. فالقضية تكمن في أن هذا القوم قد صاروا مضرباً للمثل؛ لشهرتهم الواسعة بالتعنت وكثرة اختلاق المعاذير والإنكار والعناد وسائر الأخلاق الذميمة.

المطلب الخامس

يقول الله تبارك وتعالى في تتمة الآية الكريمة: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ). وقد تكلمنا سابقاً عن وجه المشار إليه بـ (ذَلِكَ)، ولكن يقع الكلام هاهنا في دلالة قوله: (بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وإلى أي شيء تشير هذه العبارة؟ وهنا أود التنبيه على لطيفة بلاغية غاية في الدقة والظرافة تتجلى في هذا الكلام النوراني؛ وهي أن الله جل وعلا قد استعرض في هذه الآيات المتعددة التي تلونها وبحثنا فيها، أولاً الأفعال والجنايات الصادرة منهم في حق الباري جل وعلا وقبلها أشار إلى مجازاتهم وعقوبتهم، مبيناً ما أفاضه عليهم من نعم جليلة وكيف قابلوها بالجحود. ففي الخطوة الأولى، ذكر كفرهم بقوله: (بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ)؛ وفي الخطوة الثانية، أردف بذكر قتلهم للأنبياء؛ وفي الثالثة، أشار إلى مطلق المعصية في قوله: (عَصَوْا)؛ وفي الرابعة، ترقى لذكر نوع خاص من المعاصي يتعدى أثره للغير ويجلب الظلم والعدوان وهو المعبَّر عنه بـ (يَعْتَدُونَ). وعليه، فإن لفظ (عَصَوْا) إشارة إلى أصل المعصية والتمرد في ذاته، بينما قوله (يَعْتَدُونَ) يشير إلى تجاوز حد المعصية وسرايتها إلى المفاسد والذنوب العظام كظلم العباد ومناصبتهم العداء. فكأن المعاصي تنقسم هاهنا إلى قسمين: معاصٍ متعدية ومعاصٍ غير متعدية، وقد أشار النص الكريم إليهما معاً في هذا الموضع المبارك.