الدرس السابع، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الثالث
الدرس السابع
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الثالث: «اهبطوا مصراً» – 1. الاحتمالات الثلاثة في كلمة «اهبطوا» – 2. الاحتمالات الثلاثة في كلمة «مصراً»
20 ربيع الآخر 1447 هـ
المقطع الثالث: «اهْبِطُوا مِصْرًا»
بيّنّا سابقاً أن الآية 61 من سورة البقرة تشتمل على مقاطع متعددة؛ حيث كان المقطع الأول ينطوي على وجهين: سلبي وإيجابي، وقد ذكرنا إجمالاً ما يتعلق بهما من مباحث. وأما المقطع الثاني، وهو شطر من كلام موسى (عليه السلام)، فقد تقدم توضيحه وتفسيره كذلك.
ويمثل المقطع الثالث استمراراً لخطاب موسى (عليه السلام) حيث قال: (اهْبِطُوا مِصْرًا)، ويرتبط به قوله تعالى تالياً: (فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ). ويتركز المقطع الثالث أساساً في جملة (اهْبِطُوا مِصْرًا)، ليتسنى لنا تالياً تفسير الباقي بوصفه مقطعاً مستقلاً أو تتمة لهذا المقطع؛ وهو أمر سنعرض له لاحقاً ولا تترتب عليه ثمرة كبيرة.
لقد خاطب موسى (عليه السلام) قومه من بني إسرائيل مبيناً أنهم قد استبدلوا ما هو أدنى بالذي هو خير؛ وقد صيغ هذا الكلام -كما أوضحنا- بأسلوب الاستفهام الإنكاري. وسبق أن فصلنا وجه وصف المن والسلوى بالخير، ووصف البقل والقثاء والفوم والعدس بالأدنى. وعقيب هذا الاستفهام الإنكاري، يخاطبهم موسى (عليه السلام) بقوله: ما دمتم قد اخترتم هذا الصنيع، واستبدلتم الذي هو أدنى بالذي هو خير، إذن (اهْبِطُوا مِصْرًا).
وثمة كليمتان رئيسيتان في هذه الجملة تثيران عدة احتمالات تفسيرية؛ الأولى كلمة “اهبطوا” والثانية كلمة “مصراً”. ويتحصل في الكلمة الأولى ثلاثة احتمالات، بينما يتحصل في الثانية ثلاثة احتمالات أو تزيد. ويتعين علينا محاكمة هذه الاحتمالات للوقوف على ما يلائم سياق الآية الكريمة ومجموع شؤون بني إسرائيل التاريخية والقرآنية.
1. الاحتمالات الثلاثة في كلمة «اهبطوا»
تتجه كليمة “اهبطوا” نحو ثلاثة احتمالات تفسيرية:
الاحتمال الأول: أن يكون الأمر بالهبوط هنا أمراً توبيخياً؛ ومفاد التوبيخ أنهم قد هووا ونزلوا من المرتبة السامية والمكانة الرفيعة التي كانوا عليها إلى درك سحيق ومنزلة أدنى. فكأن موسى (عليه السلام) يروم تفهيم بني إسرائيل بأنه ما دام دأبكم هو استبدال الأدنى بالخير، فاهبطوا وانزلوا واسقطوا؛ وحيث إنكم مستعدون للتخلي عن مائدة الخير السامية من أجل البصل والعدس، فإن جزاءكم اللائق بكم هو الهبوط والاستقرار في مصر. وسنبين لاحقاً دلالة كلمة “مصر” وهل يراد بها منطقة جغرافية معينة أم مجرد مدينة من المدن.
وينشعب هذا الأمر التوبيخي بدوره إلى احتمالين: إما أن يكون المراد بـ “مصر” هو ذات البلد المسمى بمصر، أو يراد بها مدينة من المدن مطلقاً. ولكل من هذين الاحتمالين أدلته ومؤيداته الشاهدة له. وبناءً على هذا، يؤول الأمر التوبيخي على أحد الاحتمالين إلى معنى: ما دامت هذه رغبتكم، وقد هبطتم بأنفسهم إلى هذا الحد الخسيس، فاستقروا في أي مدينة من المدن لتنالوا بغيتكم هذه؛ فكأن موسى (عليه السلام) يبين لهم أنهم بعد المكابدة والشقاء والتيه الطويل نالوا رفعة وعزة واستقلالاً، غير أنهم بطلبهم هذا قد وضعوا أنفسهم في ظروف لا تحفظ لهم حريتهم ولا استقلالهم؛ فليذهبوا إذن وليسكنوا مدينة من المدن ليدركوا البصل والقثاء والعدس.
السؤال: …
الأستاذ: أتقصدون قوله تعالى: (ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ)؟ … ثمة بحث بين المفسرين في تحديد مراد الأرض المقدسة وهل هي بيت المقدس أم غيرها. وقد ذهب فريق من المفسرين في تفسير “مصر” هنا إلى أنها بيت المقدس … غير أن مشهور المفسرين يذهبون إلى أنها مدينة من المدن مطلقاً؛ فبصرف النظر عن الإشكال النحوي والأدبي الوارد هاهنا، يقرر المفسرون أن أرض مصر كانت قد وقعت في أيدي بني إسرائيل وصارت تحت حوزتهم بعد غرق فرعون وجنده.
الاحتمال الثاني: أن يكون هذا الأمر التوبيخي المتفرع عن تعنتهم وطلبهم، إشارة إلى السقوط والهبوط الفعلي؛ ولكن بمعنى العودة والرجوع إلى ذات أرض مصر التي كانوا مستعبدين فيها تحت وطأة فرعون وملئه يعانون العذاب والنكال، والتي أنقذهم الله منها حرة أبية. فكأن الأمر يقول لهم: ارجعوا إلى تلك الأرض المعينة التي كنتم فيها أذلاء لتنالوا ما تشتهون من بصل وخيار وعدس، ولكن اعلموا أنكم هناك ستفقدون كل معاني العزة والحرية والاستقلال. فالفارق بين الاحتمالين الأول والثاني يرجع بالتمام إلى المراد بـ “مصر”؛ فهل هي البلد المعهود أم مجرد مدينة من المدن؟
الاحتمال الثالث: أن يكون الأمر هنا للتعجيز؛ ومفاده أنهم بعد هذه السنين الطوال من التيه والشقاء والسرادق، تقدموا بطلب إلى الله تعالى، ولكنهم لن يتمكنوا من نيله وتحصيله بطلبهم هذا. والأمر التعجيزي يماثل قوله تعالى: (فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ)؛ حيث يطلب الإتيان بسورة معجزة لإثبات عجزهم ونفيهم، أو كقوله سبحانه: (قُلْ كُونُوا حِجَارَةً أَوْ حَدِيدًا). فهذه الأوامر صيغت بصيغة الطلب ولكن الغاية منها إبراز عجز المخاطبين؛ وهنا أيضاً يراد إفهامهم بأنهم إن كانوا يملكون القدرة والمكنة، فليذهبوا إلى المدائن المجاورة ليحصلوا هذه المحاصيل بكدهم وعنائهم وزراعتهم، أما مائدة المن والسلوى التي كانت تأتيهم إعجازاً بلا نصب فستنقطع عنهم بالتمام ولن ينالوها بعد الآن.
فالآراء في الهبوط تدور في فلك هذه الاحتمالات الثلاثة؛ والقدر المشترك والجامع بينها هو أن بني إسرائيل بسبب تعنتهم ولجاجهم وكثرة ذرائعهم أوقعوا أنفسهم في أتون الشقاء والنصب، واستبدلوا عزتهم وحريتهم بالصغار والمهانة؛ وهو ما تفيده التتمة الصريحة للآية الكريمة: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) كاشفة عن سوء عاقبتهم ومآلهم.
2. الاحتمالات الثلاثة في كلمة «مصراً»
تبرز في لفظة “مصر” عدة احتمالات تفسيرية ينشأ جلّها من توجيه تنوين الكلمة وصرفها؛ إذ المعلوم في القواعد النحوية أن كلمة “مصر” اسم علم أعجمي مؤنث، فهو ممنوع من الصرف ولا يقبل التنوين أصلاً. بيد أن اللفظ جاء في قوله تعالى هنا منوناً بالصرف: (اهْبِطُوا مِصْرًا). وقد وردت كلمة “مصر” في خمسة مواضع أخرى من القرآن الكريم وجاءت كلها ممنوعة من الصرف من غير تنوين؛ وكلها كانت تشير صراحة إلى القطر والبلد المعهود. أما في هذا الموضع فقد نُوِّنت، ومِن هنا اختلف المفسرون في تحديد دلالتها وهل يراد بها ذات البلد المعروف، أم يراد بها مدينة من المدن على وجه الإطلاق، أم يراد بها مدينة معينة من مدن الشام وغيرها؟ وهذه الاحتمالات والتقديرات ترجع بمجموعها إلى كيفية توجيه التنوين اللاحق بالكلمة خلافاً للأصل النحوي.
وبناءً على هذا، تتبلور هاهنا ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن كلمة “مصر” تشير هاهنا إلى مدينة معلومة بعينها ومصر محدد بذاته لا القطر المصري المشهور؛ والمقصود بها مدينة بيت المقدس.
الاحتمال الثاني: أن يراد بها مدينة من المدن مطلقاً، سواء أكانت في بلاد الشام أم في غيرها، ولا يراد بها القطر المصري المعهود أبداً. ووجهه أن تنوين الكلمة وصرفها يرفع عنها العلمية والتعيين لتؤول إلى معنى النكرة والعموم (أي ادخلوا أي مِصر من الأمصار).
الاحتمال الثالث: أن يذهب البعض إلى القول بأن المراد بها هو القطر والبلد المصري المشهور بعينه، بالرغم من ورودها منونة خلافاً لشرط منع الصرف النحوي؛ لكون صرف الممنوع من الصرف له تخريجات وتوجيهات لغوية معروفة. وقد ذكروا لتوجيه صرف “مصر” هنا وجهين لغويين:
الأول: أن الكلمة ثلاثية ساكنة الوسط (مِصْر)، ومثل هذا الاسم يجوز صرفه ومنعه من الصرف في لغة العرب حتى مع توفر علل المنع كالعلمية والتأنيث.
والثاني: أن تنوين الكلمة لا يستلزم نكارتها بالضرورة؛ إذ قد تنون الكلمة المعرفة لأغراض لفظية كالتناسب والفاصلة ورعاية أواخر الآي؛ ولدينا نظائر في كلمات أخرى منونة بالرغم من معرفتها وعلميتها.
والبحث الفعلي يتجه نحو معرفة مدلول التركيب التام في قوله تعالى: (اهْبِطُوا مِصْرًا) بالنظر إلى مجموع الاحتمالات الدائرة حول لفظي “اهبطوا” و”مصراً”؛ فما هو الاحتمال الأقوى والصناعي بينها؟ وهل نرجح في جانب الهبوط كونه أمراً توبيخياً أم تعجيزياً؟ وكذلك الشأن في المصر، هل يراد به البلد المعهود أم بيت المقدس أم مطلق الأمصار والمدن في الشام وغيرها؟ إن شاء الله تعالى، سنتكفل بعرض الموازنة والجمع والنتيجة في جلستنا المقبلة.