The news is by your side.

الدرس الخامس، الآية 61، تفسير المقاطع المختلفة للآية، المقطع الأول

الدرس الخامس
الآية 61 – تفسير المقاطع المختلفة للآية – المقطع الأول – النظرية الثانية – الوجه الإيجابي – شواهد قبح الوجه الإيجابي لكلام بني إسرائيل

13 ربيع الآخر 1447 هـ

الوجه الإيجابي للقسم الأول

ذكرنا في البحث التفسيري للآية 61 أنها تشتمل على مقاطع متعددة؛ وكان المقطع الأول هو قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ). وينقسم هذا المقطع الأول إلى طلب سلبي وآخر إيجابي؛ فقولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) يمثل الوجه السلبي لطلبهم، بينما يمثل قولهم: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) الوجه الإيجابي منه. وقد ذكرنا بشأن مجموع هذا الطلب أنه كان طلباً ينطوي على معصية، ولم يكن مجرد طلب عادي مما يتعارف عليه العقلاء من باب التنوع في الطعام أو تتميمه. واستعرضنا الشواهد الدالة على كونه معصية، كما تتبعنا أدلة القائلين بنفي المعصية عنه وأجبنا عليها، وخلصنا إلى أنهم في الوجه السلبي قد أعلنوا بهذا اللحن عدم صبرهم على ذلك الطعام الواحد الذي هو المن والسلوى.

شواهد قبح الوجه الإيجابي لكلام بني إسرائيل

ثم أردفوا ذلك ببيان الوجه الإيجابي لطلبهم، حيث قالوا لموسى (عليه السلام): سل ربك أن يخرج لنا من نبات الأرض (مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)؛ وهذا هو الوجه الإيجابي. وفي هذا الوجه الإيجابي -كالشأن في الوجه السلبي تماماً- لا نجد لحناً مؤدباً؛ وهذا بحد ذاته يؤكد معصية أصل هذا الطلب؛ أي إن استعمالهم للأدب الهابط والأسلوب غير اللائق في كلا الطلبين السلبي والإيجابي يعزز احتمال كون الطلب معصية بالأساس، وأنه نشأ عن لجاج وعناد وتعلل بالذرائع. وثمة شواهد متعددة تعزز هذا المعنى في الوجه الإيجابي:

  1. إن خطابهم يشتمل ضمناً على عبارة “يا موسى”؛ فرغم أنهم لم يكرروها صراحة هنا، إلا أنها جاءت في طليعة كلامهم حيث قالوا: (يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ). ومجرد مناداة نبي الله باسمه المجرد “يا موسى” يعد ضرباً من إساءة الأدب والمهانة؛ إذ كان عليهم أن يخاطبوه بـ “يا رسول الله” أو “يا نبي الله” بدلاً من مناداة نبي الله باسمه كما لو كان واحداً منهم. ونحن نرى نظير هذا الأسلوب في آيات أخرى تصف خطابهم لموسى (عليه السلام) كما في قوله تعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).

  2. قوله تعالى على لسانهم: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ)؛ أي اطلب لنا من إلهك. فبينما كان يسوغ لهم أن يقولوا “فادع لنا ربنا” ليكون التعبير جارياً على وفق مقتضى الحال بطلب النعمة من إله الجميع، نجدهم يقولون: “ادع لنا ربك”؛ كأن الله تعالى ليس رباً لهم بل هو رب لموسى وحده. وهذا شاهد ثانٍ قائم في ثنايا كلام بني إسرائيل يؤيد ما ذهبنا إليه.

  3. إن طلبهم يتركز في أن تخرج الأرض لهم مما تنبت؛ وهذا يظهر كأن هؤلاء القوم كانوا يبتغون الحصول على هذه الثمار والأطعمة الأرضية من دون بذل أدنى جهد أو تحمل أي مشقة أو عمل، تماماً كما كان ينزل عليهم المن والسلوى من عند الله تبارك وتعالى، فيقولون: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ). والمعلوم أن إنبات الأرض على قسمين: تارة يكون الإنبات حاصلاً من دون أي تدخل بشري، كالأشجار الحرجية والغابات التي تنبت بفعل العوامل الطبيعية وتثمر بمرور الوقت في ظروف مناخية معينة؛ وتارة يكون الإنبات معتمداً على الجهد البشري من حرث وزرع وسقاية ورعاية حتى يثمر المحصول. وظاهر جملتهم أنهم يسألون موسى أن يدعو ربه ليخرج لهم مما تنبت الأرض من تلقاء نفسها، أي من القسم الأول، دون أن يبذلوا جهداً أو عملاً؛ تماماً كما كان ينزل عليهم المن والسلوى في ذلك التيه من غير عناء. ونحن قد استعرضنا سابقاً عدة احتمالات في حقيقة المن والسلوى والوجه في قوله هنا: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ)؛ إذ كان المن والسلوى بمثابة مائدة سماوية إلهية، والآن يطلبون طعاماً أرضياً. وذكرنا الخلاف في معنى “المنّ”، وأنه إجمالاً قطرات تشبه الندى تسقط على الأشجار والنباتات في ساعات محددة وتتصف بالحلاوة، وكانوا مأمورين بأخذ قدر حاجتهم اليومية منها دون ادخار أو زيادة، غير أنهم تملكتهم الحيرة والطمع فادخروا منها ففسدت؛ وقال بعضهم إنه “الترنجبين”؛ وحاصل القول إنه مادة حلوة تدفع العطش وتمدهم بالطاقة والقوة. وأما “السلوى” فقيل إنه طائر يشبه العصفور أو السمانى.

ولما كان المن والسلوى ينزلان من السماء، فقد طلب بنو إسرائيل مائدة أرضية بديلة؛ فقولهم ليدع ربه ليخرج لهم من نبات الأرض إنما يبتغي تحصيل هذه الزروع من عدس وسير وبصل وخيار بلا كد ولا تعب. وهذا شاهد آخر على ما قررناه من أن طلبهم لم يكن مجرد طلب عقلائي لتنويع مائدهم الغذائية، بل كان أشبه بتعلل الصبي الذي كلما قدمت له شيئاً طلب غيره تعنتاً؛ وهكذا كان دأب هؤلاء القوم في تعنتهم.

4.قوله تعالى: (يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ)؛ فهل إسناد الإنبات إلى الأرض على لسان بني إسرائيل هو إسناد حقيقي أم مجازي؟ بالنظر إلى تاريخ بني إسرائيل الطويل ومبتلاهم الأساسي المتمثل في ضعف التوحيد، لا يبعد أن يكون إسناد الإنبات إلى الأرض هاهنا نوعاً من تهميش الفاعلية الإلهية وتقليل دور الإرادة الربانية في هذا العالم، فيقولون: (فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ). فبصرف النظر عن إرادتهم التنصل من العمل والجهد، فإن هذا التعبير قد يحمل في طياته إشارة إلى السبب المباشر والأخير في سلسلة العلل المادية، إلا أنه لا يبعد أيضاً اشتماله على مسحة من إنكار التوحيد؛ حيث يقولون: سل ربك يعطينا مما تنبت الأرض. وهذا التعبير نفسه فيه نوع من الوهن وقد ينم عن ضعف في منطلقاتهم الاعتقادية. وبطبيعة الحال، لا يمكننا الجزم بهذا الاحتمال؛ نظراً لأن إسناد الإنبات إلى الأرض مستعمل وشائع عرفاً ولغةً، ولا يلزم من يطلق هذا التعبير أن يكون واقعاً في الشرك أو الكفر.

وعلى أية حال، فقد تقدم هؤلاء بطلب اشتمل على وجهين: سلبي وإيجابي؛ وقد جاء الوجه السلبي شديد اللهجة في قولهم: (لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ)، وأما الوجه الإيجابي فقد فصلنا القول فيه.

وأما الألفاظ المذكورة من: البقل، والقثاء، والفوم، والعدس، والبصل، فلا تنطوي على نكتة خاصة سوى اشتراكها جميعاً في كونها مما تنبت الأرض، وتصنيفها ضمن الموائد الأرضية التي تخرج من التربة.

موضوع الجلسة المقبلة

المقطع الثاني من الآية هو قوله تعالى: (قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)؛ وهذا المقطع يمثل في الواقع مقول قول موسى (عليه السلام)، حيث يبتدئ باستفهام، ثم يعقبه أمر، ثم استشراف وتنبؤ بمستقبل هذا القوم، ثم بيان علة ذلك العقاب والجزاء؛ وسنتعرض لتبيان هذه الأمور تباعاً بمشيئة الله تعالى.