The news is by your side.

الدرس الرابع والعشرون، المسألة الخامسة، المقام الثاني

الدرس الرابع والعشرون

المسألة الخامسة – المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير – أدلة القول الثاني – الدليل الأول: الروايات – الرواية الأولى ودراستها – الرواية الثانية ودراستها – الرواية الثالثة ودراستها

24 ذو القعدة 1406 هـ

خلاصة الجلسة الماضية بيّنّا أن القول الثاني في مسألة لزوم أو عدم لزوم العقد الذي أوقعه الأب أو الجد للصبي قبل بلوغه وتزويجه من صغيرة، هو أن هذا الصبي يثبت له خيار الفسخ بعد البلوغ؛ فله نقض العقد كما أن له إمضاءه ليكون لازماً. وقد أشرنا إلى القائلين بهذا القول، وذكرنا أن بعضهم حمل الخيار هنا على غرار الخيار في العقد الفضولي، بينما جرى شق منهم على اعتباره خياراً للأصيل. وكما أسلفنا، فإن محور بحثنا هو المعنى الثاني؛ لكون هذا العقد ليس فضولياً بحال، لصدوره من الأب أو الجد ممّن له الولاية، فتصرفهما منأى عن الفضولية. وعليه، فإن دراسة ثبوت الخيار للصبي بعد البلوغ ناظرة إلى أن العقد الواقع صحيحاً متصفاً بالصحة الفعلية، هل هو قابل للفسخ من قِبل الصبي بعد بلوغه أم لا.

أدلة القول الثاني

وقد أُقيمت عدة أدلة على هذا المدعى؛ أي إن هذا العقد جائز وله نقضه.

الدليل الأول: الروايات

وأهم المستمسكات في هذا الباب هي الروايات، حيث أُوردت عدة أخبار واستُدل بها:

الرواية الأولى

ومن جملة هذه الروايات: صحيحة محمد بن مسلم قال: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (ع) عَنِ الصَّبِيِّ يَتَزَوَّجُ الصَّبِيَّةَ قَالَ إِذَا كَانَ أَبَوَاهُمَا اللَّذَانِ زَوَّجَاهُمَا فَنَعَمْ جَائِزٌ وَ لَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا فَإِنْ رَضِيَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمَهْرَ عَلَى الْأَبِ قُلْتُ لَهُ فَهَلْ يَجُوزُ طَلَاقُ الْأَبِ عَلَى ابْنِهِ فِي صِغَرِهِ قَالَ (ع): لَا».

فمفاد الصحيحة أن محمد بن مسلم سأل الإمام الباقر (ع) عن صبي تزوج من صبية، فأفاد (ع) بأنه لو كان الأبوان هما اللذان توليا التزويج فنعم جائز؛ أي إن العقد نافذ وصحيح، ولكن يثبت لكليهما حق اختيار فسخ هذا النكاح إذا بلغا وأدركا. فإذا رضيا بعد البلوغ واستقرا على العقد، فالمهير المسمى في متن العقد والذي يقع عهدته على الصبي، يكون على الأب أداؤه. ثم سأله سؤالاً آخر عن جواز إيقاع الأب الطلاق على زوجة ابنه في فترة صغره، فمنعه الإمام (ع) بقوله: «لَا».

والرواية من حيث السند نقية لا شائبة فيها، ومن حيث الدلالة ظاهرة بوضوح في ثبوت خيار الفسخ لهذا النكاح؛ لقوله: «وَ لَكِنْ لَهُمَا الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَا»، أي إن الصبية والصبي متى ما بلغا رتبة الإدراك جاز لهما نقض العقد. فالرواية تامة سنداً ودلالة وتنهض بالقول بالجواز.

دراسة الرواية الأولى

بيد أن الاستدلال بهذه الصحيحة يواجه إشكالين صناعيين:

الإشكال الأول: أن الرواية قد أثبتت الخيار للصبية أيضاً بعد البلوغ، وهذا مخروم ومخالف للإجماع المستقر على عدم ثبوت الخيار للصبية في فرض تزويج الأب. وحتى لو قيل بالتفكيك في الخيار وثبوته للصبي دون الصبية، فإن القول بخيار الصبية مهجور لم يلتزم به أحد. ولما كان هذا الحكم مخالفاً للإجماع، امتنع علينا الالتزام برواية تضمنت حكماً مصادماً للإجماع المسلم.

الإشكال الثاني: أن ظاهر الرواية يسوق المسألة نحو فرض خاص، وهو ما لو كان كلا الطرفين في سن الصغر حال العقد (صبياً تزوج صبية)، وعليه فلا يسعنا تعميم الحكم بنحو مطلق للقول بأنه لو زُوّج الصبي من امرأة بالغة ثبت له حق الفسخ بعد بلوغه؛ فالخيار بموجب النص مقيد بفرض صغر الطرفين معاً. والمدعى هو ثبوت الخيار للصبي مطلقاً؛ أي سواء كانت الزوجة صغيرة أم بالغة. وحيث إن الدليل نهایة ما يثبته هو الخيار في فرض صغرهما معاً، فيكون الدليل أخص من المدعى ولا ينهض بإثبات الإطلاق. وبتعبير آخر، يؤول هذا التفصيل إلى صياغة محمل وتوجيه للصحيحة -مع الفراغ عن سندها ودلالتها- بحملها حصراً على فرض صغر الزوجين معاً.

الرواية الثانية

والرواية الثانية هي رواية يزيد الكناسي: «عَنْ بُرَيْدٍ الْكُنَاسِيِّ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ (ع) مَتَى يَجُوزُ لِلْأَبِ أَنْ يُزَوَّجَ ابْنَتَهُ وَ لَا يَسْتَأْمِرَهَا…» إلى أن قال وهو موضع الشاهد: «إِنَّ الْغُلَامَ إِذَا زَوَّجَهُ أَبُوهُ وَ لَمْ يُدْرِكْ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ إِذَا أَدْرَكَ وَ بَلَغَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً أَوْ يُشْعِرُ فِي وَجْهِهِ أَوْ يُنْبِتُ فِي عَانَتِهِ».

فمفادها أن الغلام إذا زوج الأب له ولم يكن قد بلغ بعد، ثبت له خيار النقض والفسخ متى ما أدرك وبلغ خمس عشرة سنة، أو نبت الشعر في وجهه أو عانته. وقد أورد النص علامات ثلاث للبلوغ لا يهمنا تفصيلها هنا؛ وهي بلوغ خمس عشرة سنة، أو إشعار الوجه، أو إنبات العانة. وهذه أمارات كاشفة عن حصول البلوغ، وقد حققنا في موضعه أن حقيقة البلوغ شيء وعلاماته شيء آخر؛ فالأمارات المذكورة في لسان الحضرة هي علامات كاشفة لا نفس البلوغ، وبعضها طبيعي قطعي وبعضها غالبي كإشعار الوجه الدائر مدار الغالب، وهو خارج عن محط بحثنا. والعمدة في الرواية نصها على أن الغلام إذا بلغ ثبت له خيار الفسخ.

دراسة الرواية الثانية

ثمة كلام في سند هذه الرواية؛ حيث غمز بعضهم في وثاقة يزيد الكناسي، ولكن يبدو في المجموع أن مروياته معتبرة، وسنبني على فرض اعتبار الرواية وصحتها. فإذا تجاوزنا العقبة السندية، نجد أن بعض الأعلام أورد مناقشات دلالية على الخبر. ونشير إلى أننا نقلنا هذه الرواية وصحيحة محمد بن مسلم سابقاً في مقام البحث عن خيار الصبية؛ لكون هذه الطائفة تمسك بها المستدلون في كلا الموضعين، ولها إشكالات تخصها غير ما أوردناه على الصحيحة الأولى.

وعلى كل حال، فقد طعن بعضهم سنداً كالمرحوم السيد الحكيم حيث لم يرتضِ وثاقة يزيد الكناسي، ولكنه عاد وتدارك لتصحيح الخبر بأنه يلوح في السند ما يشعر بوثاقته؛ نظراً لورود أقطاب كأحمد بن محمد بن عيسى، والحسن بن محبوب، وأبي أيوب الخزاز في سياق السند، وهؤلاء بوزنهم الأصولي لا يروون عادة إلا عن ثقة، فدخولهم يشعر بوثاقة يزيد. ونحن قررنا سابقاً ونثني هنا على وثاقة يزيد الكناسي لأدلة بيّناها؛ فالناحية السندية سالمة.

أما دلالة الرواية، فقد خُدشت بإشكالات؛ منها أن صدر الخبر أثبت الخيار للصبية وهو خلاف الإجماع، فيتعين إما طرح الخبر أو تأويله بنحو يصرف ظاهر اللفظ، لانتفاء القائل بخيار الصغیره.

وأثار بعضهم إشكالاً آخر لا نراه بذاك الوزن؛ وحاصله أن الخبر تضمن علامات ثلاث للبلوغ، والفقهاء إنما استقر رأيهم على قبول علامتين منها: السن (خمس عشرة سنة) والإنبات الموصوف بالشعر الخشن على العانة، دون إشعار الوجه الذي لم يرتضوه علامة شرعية. فخُدشت الرواية من جهة اشتمالها على أمارة غير مقبولة فقهياً. ولكن هذا الخدش ليس بذي بال؛ لكون المحصل من الموازنة مع سائر الأخبار أن البلوغ يدور مدار السن والإنبات الخشن، وإشعار الوجه قاصر عن الحجية. وأيضاً كما أسلفنا، فإن بلوغ خمس عشرة سنة أمارة كاشفة عن تحقق رتبة البلوغ في زمن سابق؛ فالأمارات تارة تكون محققة للبلوغ في حينه كالانبات الخشن، وتارة تكون كاشفة عن تحقق الحقيقة سابقاً كالسن. وعلى أي حال، فالرواية الكناسية معروضة للخدش الدلالي.

الرواية الثالثة

والرواية الثالثة هي رواية علي بن يقطين التي مرت بنا سابقاً: «عَنْ عَلِيِّ بْنِ يَقْطِينٍ قَالَ: سَأَلْتُ أَبَا الْحَسَنِ (ع) أَ تُزَوَّجُ الْجَارِيَةُ وَ هِيَ بِنْتُ ثَلَاثِ سِنِينَ أَوْ يُزَوَّجُ الْغُلَامُ وَ هُوَ ابْنُ ثَلَاثِ سِنِينَ وَ مَا أَدْنَى حَدِّ ذَلِكَ الَّذِي يُزَوَّجَانِ فِيهِ فَإِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ فَلَمْ تَرْضَ فَمَا حَالُهَا قَالَ (ع): لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا رَضِيَ أَبُوهَا أَوْ وَلِيُّهَا».

حيث سأل علي بن يقطين الإمام (ع) عن تزويج الجارية والغلام وهما في سن ثلاث سنين، وجعلهما مثالاً ليستفهم عن أدنى حد شرعي يسوغ فيه تزويجهما، ثم ركز سؤاله عن الجارية إذا بلغت ولم ترضَ بالعقد فما حكمها؟ فأجاب الإمام (ع): «لَا بَأْسَ بِذَلِكَ إِذَا رَضِيَ أَبُوهَا أَوْ وَلِيُّهَا». فقرر (ع) أنه متى ما حصل رضا أبي الجارية أو وليها فالأمر تام ولزوم العقد مستقر، ولا أثر لعدم رضاها بعد البلوغ. ووجه استدلال القائل بالخيار يرتكز على مفهوم السكوت؛ فالإمام (ع) أفاد باللزوم ونفي البأس في جانب البنت ولم يتعرض لجانب الصبي، وسكوته هذا حاکٍ عن ثبوت الخيار للغلام.

السؤال:

الأستاذ: لا تقيسوا الأمور بموازين عصرنا هذا؛ إذ كان الدارج لاسيما في تلك العصور والبيئات القبلية والعشائرية، الإسراع بتسمية البنت وتزويجها في سن مبكرة جداً لضمان بقائها داخل العشيرة وسد الطريق أمام تزوجها من الأجانب؛ رعايةً لمصالح القبيلة وتوثيقاً لعهود المودة والتحالف بين البطون. وأيضاً كان يجري هذا التزويج بين الأقارب لغرض تحصيل المحرمية؛ وصيغة المحرمية الدارجة في لسان العوام هي في حقيقتها عقد نكاح وتزويج شرعي، غایت الأمر أنه نكاح لا تترتب عليه آثار الاستمتاع الزوجي المعتاد في حينه، ولكنه نكاح حقيقي؛ إذ ليس لدينا في الشريعة صيغة مستقلة تُدعى “صيغة المحرمية” خارجة عن سياق النكاح. فالاغراض العقلائية المصححة لمثل هذه الأنكحة كانت كثيرة وقائمة في تلك العصور.

وعلى كل حال، فالراوي ساق أسئلة ثلاثة، فأجابه الإمام (ع) بنفي البأس في البنت، مستنداً إلى رضا الأب أو الولي، فيثبت اللزوم في حقها، ولم ينص على مثل ذلك في الغلام. وهذا السكوت والإهمال لجانب الغلام يُشعر بأن عقد الصبي ليس لازماً بل هو على خيار منه.

دراسة الرواية الثالثة

والإنصاف في مقام النقد أن يقال: لئن كان النص دالاً بوضوح على لزوم عقد الصبية، إلا أنه ساكت مجمل في ناحية الغلام؛ واقتناص حكم الجواز وثبوت الخيار من مجرد ترك الإمام (ع) للجواب في شق الصبي ليس بالأمر الواضح والظاهر صناعة.