الدرس الثالث والعشرون، المسألة الخامسة، المقام الثاني
الدرس الثالث والعشرون
المسألة الخامسة – المقام الثاني: دراسة ثبوت الخيار للصغير – أدلة الأقوال – أدلة القول الأول – دراسة الدليل الثاني – إشكال صاحب الحدائق – جمع وتلخيص الدليل الأول والثاني والثالث – الدليل الرابع: الاستصحاب ودراسته – نتيجة البحث في أدلة القول الأول – القول الثاني: ثبوت الخيار للصبي
19 ذو القعدة 1406 هـ
دراسة الدليل الثاني وقع البحث في أدلة لزوم العقد الذي أوقعه الأب أو الجد للصبي غير البالغ؛ حيث ذُكرت عدة أدلة؛ الدليل الأول كان الروايات العامة المشتملة على عدة روايات، والدليل الثاني هو العمومات والقواعد، والدليل الثالث هو الروايات الخاصة. وقد تم استعراض ما يتعلق بالقواعد والعمومات، وبيّنّا أنه بمقتضى آية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1]، فإن الوفاء بكل عقد لازم، وهذا يشمل عقد الولي للصبي أيضاً.
ولكن أُثير هنا إشكال حاصله: أن آية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] إنما هي بمعنى “أوفوا بعقودكم”، والعقد الذي يوقعه الولي للصبي لا يُعد عقداً للصبي نفسه حتى يشمله عموم “أوفوا بعقودكم”؛ فالجاري هنا هو عقد الولي لا الصبي، وعليه لا يجب على الصبي الوفاء به؛ لأنه لم يعقد شيئاً بل العاقد هو الأب أو الجد، فلا يلزم الصبي الوفاء به.
وقد أُجيب عن ذلك بأن الأب أو الجد حينما يوقعان العقد لهذا الصبي، فإنما يفعلان ذلك من باب الولاية؛ أي لما كان لهما حق اختيار أمر الصبي وتدبير شؤونه، جاز لهما تزويجه من الآخر. ولذا فإن عقد الولي هو عين عقد الصبي نفسه، وليس شأنه كشأن الوكيل أو الفضولي؛ فالولي إذا أوقع العقد فإنما يوقعه بالأصالة من موقع الولاية، ولذا يُحسب عقده عقداً للصبي ذاته. وبناءً عليه، فإن آية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] التي تفيد معنى “أوفوا بعقودكم” تشمل الصبي أيضاً، فيكون هذا العقد لازماً ولا يثبت الخيار للصبي.
إشكال صاحب الحدائق
لقد اعتبر صاحب الحدائق أن إثبات اللزوم عن طريق القواعد والعمومات كآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] من قبيل المصادرة على المطلوب؛ حيث أفاد بأن كون عقد الولي عقداً للصبي هو عين محل النزاع ومحور البحث؛ والمصادرة على المطلوب تعني أن يكون الدليل عين المدعى، كأن يصيغ المستدل دليله بنحو يطابق الدعوى تماماً. وهنا أيضاً، الاستدلال بآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] لإثبات اللزوم هو عين المدعى؛ إذ القول بأن عقد الولي يُحسب عقداً للصبي هو أول الكلام. فنحن نريد أن نرى هل يُعد عقد الولي عقداً للصبي أم لا؛ فلو قلنا بأن الصبي لا خيار له بعد البلوغ ولا يسعه فسخ العقد، فمعنى ذلك أن عقد الولي هو عقد الصبي. ولو كان الولي يعقد لنفسه لكان لازماً، والآن حيث عقده ولايةً للصبي فهو لازم أيضاً. أما لو قلنا بأن عقد الولي لا يُحسب عقداً للصبي، فمعناه أن العقد ليس لازماً وللصبي نقضه. فالإتيان بهذا الدليل هو عين المدعى؛ ولذا أشكل صاحب الحدائق بأن الاستدلال بالقواعد والعمومات مصادرة. وعبارته في هذا المقام هي: «واستدلوا في هذا المقام، بأن عقد الولي عقد صدر من أهله في محله، فكان لازماً كسائر العقود المالية ولا يخفى ما فيه من تطرق الإيراد إليه، وتوجه الاعتراض عليه، فإن الخصم يمنع ذلك في هذه الصورة، وهل هو إلا أصل المدعى، فيكون مصادرة». وهذا الإشكال الموجه للاستدلال يبدو وارداً وصحيحاً؛ وخلاصته أن الاستدلال بالقواعد والعمومات لإثبات اللزوم في مثل هذا العقد هو مصادرة على المطلوب.
جمع وتلخيص الدليل الأول والثاني والثالث
تحصل مما مضى ذكر ثلاثة أدلة لإثبات اللزوم؛ أولها الروايات العامة، وثانيها القواعد والعمومات، وثالثها الروايات الخاصة.
أما الروايات الدالة على صحة تزويج الأب فلا تدل على اللزوم؛ لأن الصحة أعم من اللزوم والجواز. وقد رددنا جواب المرحوم المحقق الخوئي؛ فهناك طائفة من الروايات تدل على أنه لو زوج الأب ابنه من غيره فعقده صحيح، وحملنا الصحة هنا على الصحة الفعلية لا التأهلية التي تختص بالعقد الفضولي، وهذا المعنى أعم من كون العقد لازماً أو جائزاً، فلا دلالة لتلك الروايات على اللزوم. وأما الروايات الدالة على المنع من الطلاق وأنه لو وقع الطلاق فالمهر على الأب، فقد ذكرنا أنها دالة على اللزوم. وكذا الروايات الدالة على التوارث قلنا بإن اللزوم يُستفاد منها.
وأما الدليل الثاني الراجم في فلك القواعد والعمومات، أو بتعبير آخر مقتضى الأصل الأولي في المسألة كآية (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) [المائدة: 1] وأمثالها، فقد بينا أنه لا يدل على اللزوم.
وأما الدليل الثالث وهو الروايات الخاصة، فقد أوردنا عدة روايات بصفتها روايات خاصة، وهذه الروايات بعضها دال على اللزوم وبعضها قاصر عن إثباته.
هذا هو محصل ونتيجة البحث حول الأدلة الثلاثة التي أُقيمت لإثبات اللزوم.
الدليل الرابع: الاستصحاب
والدليل الرابع هو الاستصحاب؛ بيان ذلك: أن العقد الذي أوقعه الأب للصبي صحيح يقيناً؛ إذ تقتضي أدلة صحة تزويج الأب أن يكون عقده لابنه صحيحاً ونافذاً بصحة فعلية. وما دام هذا الشخص لم يبلغ، فليس لأحد حق نقض هذا العقد؛ فلا الأب يملك فسخه، ولا الصبي بلغ رتبة يملك بها حق الفسخ. فإذا حصل البلوغ، نشك في أن ذلك العقد الذي كان لازماً سابقاً ولم يكن يملك الابن ولا الأب فسخه، هل يسوغ للابن الآن فسخه أم لا؟ فنستصحب بقاء العقد. وبذلك يمكننا ادعاء أن هذا العقد عقد لازم؛ فيثبت اللزوم باستصحاب بقاء العقد.
دراسة الدليل الرابع
هذا الدليل أيضاً محل إشكال وتأمل من وجهين:
الإشكال الأول
إذا كنتم تذكرون، فقد تم الاستناد إلى هذا الدليل عينه لإثبات لزوم عقد الصغيرة؛ حيث كان من جملة الأدلة المستمسك بها لإثبات لزوم عقد البنت الصغيرة وأنها لا تملك نقض العقد بعد البلوغ هو استصحاب بقاء العقد. وقد بينا في ذلك الموضع أن جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية محل خلاف بل محل تأمل؛ فالاستصحاب إنما يجري في الشبهات الموضوعية، كأن نشك في موضوع خارجي كالطهارة والنجاسة وملكية الشيء وأمثالها، فيسوغ لنا بالاستصحاب إثبات طهارة الشيء أو ملكية الشخص أو نجاسة العين. أما في الشبهات الحكمية كما في ما نحن فيه، فإن جريان الاستصحاب محل تأمل وإشكال، وهذه عقبة أساسية.
الإشكال الثاني
والإشكال الآخر الجدير بالدراسة ولم نطرحه هناك، هو أنه لو تنزلنا وسلمنا بجريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، وقلنا إن الاستصحاب لا يختص بالشبهات الموضوعية بل يستوعب الشبهات الحكمية أيضاً، إلا أن استصحاب بقاء العقد يواجه مانعاً من حيث الاقتضاء؛ لأن هذا العقد إنما ثبت لزومه إلى زمان البلوغ؛ بمعنى أن الأب أوقع العقد ولا يملك حق نقضه، ولكن هل يملك الصبي حق النقض أم لا؟ الصبي حتى زمان البلوغ لم يكن يملك حق النقض يقيناً، ولكن هل يوجد اقتضاء لبقاء العقد أو لزومه بعد البلوغ أم لا؟ هذا هو محل البحث. وبعبارة أخرى: إن شكنا في أن هذا الصبي هل له حق الفسخ بعد البلوغ أم لا، إنما هو لكون لزوم العقد حتى زمان البلوغ مسلماً لنا، فاقتضاء بقاء العقد حتى زمان البلوغ قطعي، أما بالنسبة إلى ما بعد البلوغ فأصل الاقتضاء غير معلوم لنا؛ وعليه فالشك يؤول إلى الشك في المقتضي للبقاء، والاستصحاب لا يجري مع الشك في المقتضي.
نتيجة البحث في أدلة القول الأول
فتحصل مما سلف أنه من بين الأدلة الأربعة المقامة، لم ينل القبول الدليل الثاني والدليل الرابع؛ فلا الاستصحاب صالح للاستناد، ولا القواعد والعمومات تنهض بالمدعى؛ رغماً عن كون أغلب الفقهاء قد اتكأوا في إثبات اللزوم على القواعد والعمومات، وقلما استندوا قديماً إلى الروايات. أما الدليل الأول والدليل الثالث وهما الروايات، فيمكنهما إثبات اللزوم في الجملة؛ أي إن بعض الروايات العامة وبعض الروايات الخاصة تنهض بإثبات لزوم عقد الصبي الواقع بواسطة الأب أو الجد، وهذا يعتضد بالبناء والشهرة القوية المستقرة في المسألة؛ إذ لا نجد في شطراً من الفقهاء من يلتزم بأن الصبي يثبت له خيار الفسخ بعد البلوغ.
هذا تمام الكلام في القول الأول وهو اللزوم.
القول الثاني: ثبوت الخيار للصبي
كما أسلفنا، فإن ثمة قولاً آخر في المسألة وهو عدم اللزوم؛ حيث ذهب فريق إلى ثبوت الخيار للصبي بعد البلوغ. ومع أن الإمام (ره) لم يشر إلى هذا القول في متن “التحرير”، إلا أن المرحوم السيد في العروة ذكره وحكم بضعفه؛ حيث أفاد: «وكذا الصغير على الأقوى» أي لا خيار له، ثم قال: «والقول بخياره في الفسخ والإمضاء ضعيف»؛ يعني أن هناك قولاً في مقابله يثبت خيار الفسخ للصبي بعد البلوغ، فله إمضاء العقد أو فسخه. ولكن الإمام في التحرير أغفل الإشارة إلى هذا القول الضعيف وجمع بين الصغير والصغيرة في سياق واحد.
وينبغي لنا أولاً استكشاف من هم القائلون بهذا القول، وثانياً ما هي أدلتهم؛ فبأي حجة ادعى القائلون بالخيار هذا المطلب؟
إن القائلين بهذا القول يمثلون طبقة معتد بها من الأعلام؛ فقد ذهب السيد المرتضى في كتابي “الانتصار” و”الناصريات” إلى ثبوت خيار الفسخ. وما أفاده السيد المرتضى يؤول في حقيقته إلى جنس الخيار الذي يثبت للأصيل تجاه العقد الفضولي. وكما بينا سابقاً، فإن الخيار يُطلق على معنيين؛ فتارة يراد به الخيار من طرف الشخص الأصيل تجاه العقد الفضولي؛ فلو باع شخص مال غيره، ملك المالك إجازة ذلك البيع أو رده. والمعنى الآخر للخيار هو أن يملك نفس العاقد المالك حق نقض المعاملة التي باشرها. والفرق بين المعنيين جلي؛ فالعقد الفضولي يتصف بالصحة التأهلية؛ أي له الأهلية والشأنية للصحة، بمعنى أنه لو أجازه الأصيل صارت صحته فعلية. أما الخيار للمالك الذي باع ماله، فمعناه أنه لأسباب وأدلة خاصة (كالعيب في المبيع أو الثمن أو الغبن وأمثالها) يملك حق نقض العقد. والسيد المرتضى حينما ذهب إلى خيار الفسخ وقال بأن الصغير يملك نقض عقد الأب، جعل هذا من الصنف الأول؛ أي الخيار الذي يثبت للأصيل تجاه الفضولي وتصرفه.
وكذا ذهب الشيخ الطوسي في كتبه الثلاثة: “النهاية”، “التهذيب”، و”الاستبصار” إلى خيار الفسخ. وأيضاً قال بالخيار أبو الصلاح الحلبي في “الكافي”، وابن براج في “المهذب”، وابن حمزة في “الوسيلة”، وابن إدريس في “السرائر”، وابن زهرة في “الغنية”. وقد ذكرنا أنه من عهد المحقق الحلي فصاعداً استقرت الشهرة على لزوم هذا العقد، وإلا فقبل المرحوم المحقق الحلي كان أعاظم الفقهاء على القول بالخيار. ولكن ثمة نكتة هنا، وهي أنه ليس من الواضح تماماً هل كل هؤلاء يدرجون خيار الصبي في عقد النكاح ضمن خيار الأصيل تجاه الفضولي أم لا؛ فقد نبهنا على أن الروايات يكثر فيها إطلاق المعنى الأول للخيار، ولكن في عبارات الفقهاء استُعمل الخيار بالمعنى الثاني أيضاً. وعلى كل حال، فإن جمعاً من الفقهاء ولا سيما المتقدمين يثبتون الخيار للصغير تجاه العقد الذي باشره وليه. لکن أشرت هناك أيضاً إلى أن الكثير منهم يحمل هذا الخيار على غرار خيار الأصيل تجاه الفضولي، وهو خارج عن محل بحثنا الحالي؛ إذ عمدتنا هو البحث عن الخيار بالمعنى الثاني، كشأن ثبوت الخيار في العقود عامة. وهذه نكتة أردت الإيماء إليها؛ وحالياً بصرف النظر عمن قال به ومن لم يقل، يتحتم علينا دراسة أدلة هذا القول ونقدها.