The news is by your side.

الدرس الخامس عشر، المسألة 5، المقام الأول

الدرس الخامس عشر
المسألة 5 – المقام الأول: دراسة ثبوت الخيار للصغيرة – أدلة عدم ثبوت الخيار – الدليل الثاني: الروايات – الطائفة الثالثة من الروايات – الرواية الخامسة – محصل الدليل الثاني – الدليل الثالث: الاستصحاب – دراسة الدليل الثالث – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – الإشكال الثالث والإجابة عنه – أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة) – الرواية الأولى

26 ربيع الآخر 1447 هـ

كان البحث في أدلة عدم ثبوت الخيار للصغيرة؛ ببيان أنه لو زُوّجت الصغيرة في دوران صغرها من قِبل الولي بشخص آخر، فهل يثبت لها حق فسخ هذا العقد بعد البلوغ أم لا؟ وبعبارة أخرى: هل هذا العقد لازم أم لا؟ وقلنا إنه قد تُمسك بعدة أدلة لإثبات لزوم هذا النكاح؛ وكان الدليل الأول هو الإجماع الذي خضع للخدشة والمناقشة؛ والدليل الثاني هو الروايات، حيث أوضحنا أنه قد استُند إلى عدة روايات. وقد نقلنا أربع روايات وبيّنّا تقريب الاستدلال بها.

الرواية الخامسة

بقيت رواية أخرى، وهي الرواية المروية في (دعائم الإسلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «تَزْوِيجُ الْآبَاءِ جَائِزٌ عَلَى الْبَنِينَ وَالْبَنَاتِ إِذَا كَانُوا صِغَاراً، وَلَيْسَ لَهُمْ خِيَارٌ إِذَا كَبِرُوا». وبناءً على هذه الرواية، فإن تزويج الآباء للبنين والبنات وهم صغار جائز ونافذ، ولا خيار لهم متى ما خرجوا من حد الصغر وبلغوا. وهذه الرواية صريحة من حيث الدلالة في النفوذ والجواز (بمعنى المضي)؛ لاستخدامها تعبير «وَلَيْسَ لَهُمْ خِيَارٌ»؛ فهي تصرح بأنهم متى ما بلغوا، فلا خيار لهم في نقض هذا النكاح. غير أن المشكلة تكمن في سند هذه الرواية؛ فهي ضعيفة من الناحية السندية وغير مقبولة. ولذا، لا تصلح هذه الرواية للاستدلال.

محصل الدليل الثاني

وعلى أي حال، فإن محصل الدليل الثاني، أي الروايات، هو أن لدينا روايات تامة سنداً ودلالةً، يسعنا الاستناد إليها للقول بأن عقد البنت في دوران صغرها من قِبل الجد والأب لازم، ولا يمكنها نقض العقد بعد بلوغها.

الدليل الثالث: الاستصحاب

الدليل الثالث في المسألة هو الاستصحاب. فقد تمسك الشهيد الثاني في (المسالك) بالاستصحاب لإثبات لزوم هذا العقد؛ حيث أثبت ابتداءً أصل صحة العقد بالعمومات والإطلاقات، وفي المرحلة اللاحقة، أثبت اللزوم بالاستصحاب.

وتقريب الاستصحاب هو أن هذا العقد قد وقع صحيحاً يقيناً؛ وبعد البلوغ نشك فيما إذا كان ذلك العقد باقياً أم لا، فنستصحب بقاء العقد. إذن، اليقين السابق متعلق بالصحة الفعلية للعقد؛ فكيف يمكننا استصحاب الخيار؟

السؤال: …

الأستاذ: في ذلك الوقت قطعاً لم تكن تملك خياراً … ففي الزمان الذي وقع فيه هذا العقد، هل كان لديكم يقين بالخيار لتشكوا فيه الآن؟ لقد وقع العقد حينها، ولم تكن البنت في حدّ يؤهلها لامتلاك الخيار أصلاً. فقد أوقع الأب أو الجد العقد، ووقع صحيحاً أيضاً؛ وتم ذلك بناءً على الولاية الثابتة للأب، ولذا وقع صحيحاً. والآن، بعد البلوغ، نشك فيما إذا كان ذلك العقد لا يزال باقياً على قوته أم أنه تزلزل؛ بمعنى أن هذه البنت يسعها نقضه بعد البلوغ. فنستصحب بقاء العقد بعد البلوغ؛ وبطبيعة الحال، يمكن الاستناد إلى هذا الاستدلال والتمسك بالاستصحاب في مورد الصغيرة والصغير على حد سواء؛ وببيان الشهيد الثاني، يمكن أن يكون هذا مستنداً في كليهما.

دراسة الدليل الثالث

يجب أن نرى ما إذا كان هذا الدليل قابلاً للقبول أم لا. وترد على هذا الدليل عدة إشكالات.

الإشكال الأول

يمكننا إيراد إشكال صغروي على هذا الاستصحاب، وهو أن المتيقن لدينا هو صحة العقد؛ ولم يكن اللزوم ثابتاً في ذلك الحين أيضاً؛ لأن البحث يتمحور أساساً حول ما إذا كان يحق للبنت نقض هذا العقد بعد البلوغ أم لا؛ أي هل العقد جائز بعد البلوغ أم لا. فما كان متعلقاً لليقين هو صحة العقد؛ فإن قلنا إن هذا العقد قد وقع صحيحاً وكان لازماً في ذلك الزمان، وله لزوم ما لم تبلغ البنت؛ لأن الولي هو من زوّجها وتزويجه لازم، ولكننا نشك الآن في زوال اللزوم من عدمه، فنستصحب بقاء اللزوم. فلو قُرّب هذا الأصل على هذا النحو، لاستقامت صورة الاستدلال؛ إذ أركان الاستصحاب متوفرة، ولا توجد مشكلة من حيث اليقين السابق والشك اللاحق. لكن مقولة إن لزوم العقد قد تحقق في ذلك الحين بالذات ثم تبدل لاحقاً إلى الجواز، هي مقولة فيها تأمل. فحينما نقول إن هذا العقد قابل للفسخ من قِبل البنت، فمعنى ذلك أن هذا العقد كان جائزاً منذ البداية؛ غاية الأمر أن زمان إعمال الخيار هو ما بعد البلوغ. فمن المهم أن نحدد الزمان الذي نتصور فيه الجواز واللزوم بالنسبة للعقد؛ فظاهر الاستدلال هو أنه وقع صحيحاً في ذلك الحين، وهم الآن يستصحبون بقاء العقد أيضاً؛ في حين أنه يتعين علينا إثبات اللزوم في تلك الفترة، لنستصحبه الآن. وهذه المسألة ليست في غاية الوضوح بل يكتنفها الإبهام؛ ولذا، فإن هذا الاستصحاب مبتلى بالإشكال من الناحية الصغروية.

السؤال: …

الأستاذ: لأن هذه البنت قد زُوّجت من شخص آخر في دوران صغرها، والآن وقد بلغت، فإن البحث يدور حول ما إذا كان يجب عليها الرضا بذلك أم يسعها نقضه … فالقائلون باللزوم … قد ذكرنا هذا في طيات بيان الأقوال، وهو أن الذين يثبتون الولاية للولي ويقبلون بولايته، يقولون إن الولي يقوم مقام المولَّى عليه نفسه؛ فلو أن المولَّى عليه هو من أوقع هذا العقد، فهل كان يحق له نقضه أم لا؟ لا؛ إذن الولي أيضاً لا يمكنه نقضه. ولعلكم تتذكرون أننا ذكرنا أن هناك بحثاً حول ما إذا كان لزوم هذا النكاح موافقاً للقاعدة أم على خلافها؟ يرى فريق أن لزوم هذا النكاح موافق للقواعد أساساً؛ ولكن هناك فريق آخر يناقش في هذه المسألة: هل عقد الولي هو عين عقد المولَّى عليه، أم أنه يزوّجها بناءً على المصالح ويكون هذا العقد صحيحاً ولكنه جائز، ويسع البنت نقضه بعد البلوغ؟ …

الإشكال الثاني

الإشكال الثاني هو إشكال كبروي؛ فلو فرضنا عدم وجود مشكلة في هذا العقد من حيث تحقق أركان الاستصحاب؛ فإن المسألة والمشكلة الأساسية هي أن هذه الشبهة حكمية، والاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية. وبطبيعة الحال، هذا اختلاف مبنائي حول ما إذا كان الاستصحاب يجري في الشبهات الموضوعية حصراً أم يجري في الشبهات الحكمية أيضاً؛ فكثيرون يعتقدون أن الاستصحاب لا يجري في الشبهات الحكمية، وما نحن فيه من قبيل الشبهة الحكمية؛ لأننا نشك في لزوم العقد بعد بلوغ البنت. لذا، فهو إشكال مبنائي، وأما مسألة جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية من عدمه، فيجب الرجوع فيها إلى محلها.

الإشكال الثالث

الإشكال الثالث هو أن الأصل إنما يجري في صورة عدم وجود الدليل؛ فالأصل دليل حيث لا دليل. ولما كانت لدينا أدلة وروايات متعددة هاهنا (سواء دلت على اللزوم أو على الجواز؛ لأن الروايات الدالة على اللزوم لها معارض أيضاً كما سنشير إليه لاحقاً)، فلا تصل النوبة إلى الاستصحاب. نعم، لو اعتبر قائلٌ تلك الأدلة غير كافية، لأمكنه إثبات ذلك بالاستصحاب.

الإجابة

وبطبيعة الحال، يمكن الإجابة عن هذا الإشكال؛ أي يمكن للقائلين بلزوم النكاح أن يقولوا: لقد ذكرنا الاستصحاب كمؤيد لا كدليل؛ أي قلنا إن تلك الروايات التي أثبتت لزوم العقد، يمكن تأييدها بالاستصحاب أيضاً.

حصيلة أدلة عدم الخيار

وعلى أي حال، فإنه من مجموع أدلة لزوم عقد نكاح الصغيرة من قِبل الجد، يسعنا الاستناد إلى بعض الروايات التامة سنداً ودلالةً، لنقول إنها تدل على اللزوم. ولم نقبل نحن بالدليلين الأول والثالث (الإجماع والاستصحاب) وأوردنا عليهما الإشكال؛ وعمدة دليل القائلين بلزوم العقد هي الروايات التي لاحظتموها.

أدلة ثبوت الخيار (الروايات المعارضة)

وفي مقابل هذه الروايات، لدينا روايات تدل على الجواز؛ أي إنها تنفي اللزوم عن نكاح كهذا؛ ويجب علينا قراءة هذه الروايات لنرى كيف يمكننا الجمع بين هاتين الطائفتين من الروايات.

دققوا جيداً! إن الاجتهاد إنما يتحقق في ضوء هذه الأمثلة؛ فهذه تدريبات يمكنكم من خلالها اكتشاف طرق وأساليب الاجتهاد والاستنباط. فالاجتهاد ليس شيئاً يمكن تحصيله بشكل منفصل وبعد دراسة وتدريب مختصر؛ بل من خلال هذه الفروع وكيفية تعاطي الفقهاء مع الروايات المتعارضة والجمع بين الروايات، تنقدح ملكة الاجتهاد في الإنسان شيئاً فشيئاً. وهاهنا روايات يُستفاد منها عدم اللزوم.

الرواية الأولى

الرواية الأولى، هي رواية أبي عبيدة الحذاء. وقد قرأنا هذه الرواية سابقاً؛ ولعلكم تتذكرون أننا ذكرنا هناك أن صدر هذه الرواية ظاهر في عدم اللزوم؛ إلا أنهم نقلوها ضمن الروايات الدالة على اللزوم. الرواية طويلة ولست بصدد قراءتها بأكملها؛ وصدر الرواية هو: «سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ (عليه السلام) عَنْ غُلَامٍ وَجَارِيَةٍ زَوَّجَهُمَا وَلِيَّانِ لَهُمَا وَهُمَا غَيْرُ مُدْرِكَيْنِ؟ فَقَالَ: النِّكَاحُ جَائِزٌ، وَأَيُّهُمَا أَدْرَكَ كَانَ لَهُ الْخِيَارُ، وَإِنْ مَاتَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَا فَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا مَهْرَ…». فصدر هذه الرواية دال على عدم اللزوم؛ حيث يقول الراوي: سألت الإمام الباقر (عليه السلام) عن غلام وجارية زوجهما ولياهما ببعضهما وهما غير بالغين؛ فما هو تكليف نكاحهما في النهاية؟ فقال الإمام (عليه السلام): النكاح جائز، وأيهما بلغ، كان الخيار ثابتاً له. وهذه الجملة تدل بوضوح جلي على الجواز.

قد يقول قائل استناداً إلى صدر هذه الرواية إن صدرها معارض للروايات الدالة على اللزوم. وبطبيعة الحال، لو تذكرون، فقد وردت جملة في ذيل الرواية تدل على اللزوم؛ وتلك الجملة هي: «قُلْتُ: فَإِنْ كَانَ أَبُوهَا هُوَ الَّذِي زَوَّجَهَا قَبْلَ أَنْ تُدْرِكَ؟ قَالَ: يَجُوزُ عَلَيْهَا تَزْوِيجُ الْأَبِ، وَيَجُوزُ عَلَى الْغُلَامِ، وَالْمَهْرُ عَلَى الْأَبِ لِلْجَارِيَةِ»؛ فقال الإمام (عليه السلام): إن تزويج هذه البنت من قِبل الأب صحيح؛ فلفظ “يَجُوزُ” هاهنا بمعنى الصحة والنفوذ؛ أي إن هذا العقد صحيح ونافذ والمهر على عاتق الأب؛ وقوله إن المهر على عاتق الأب، ظاهر في اللزوم؛ وإلا فلماذا يقول (عليه السلام): «وَالْمَهْرُ عَلَى الْأَبِ»؟ واستناداً إلى هذا الذيل، تكون الرواية دالة على اللزوم.

دراسة الرواية الأولى

والإشكال الذي ذكرناه سابقاً، هو كيف يعقل أن يكون صدر الرواية ظاهراً في الجواز، بينما يدل ذيلها على اللزوم؟ وسند الرواية جيد أيضاً ولا غبار عليه من هذه الناحية. وقد بيّنّا هناك أن الإجابة عن هذا الإشكال تكمن في أن المراد بلفظ «وَلِيَّانِ لَهُمَا» في صدر الرواية ليس الأب والجد، بل المراد هو الأولياء العرفيون لا الشرعيون. والأولياء العرفيون هم العم والخال والأخ؛ لاسيما في ذلك الزمان، حيث كان العم والخال والأخ يمتلكون الولاية والخيار من وجهة نظر العرف. وعندما قال الإمام (عليه السلام): «النِّكَاحُ جَائِزٌ»، فهو في الواقع يريد القول: لو زُوّجت بنت أو غلام ببعضهما من قِبل ولي عرفي كالعم والخال والأخ، فإن هذا العقد يُعد فضولياً ومعلقاً من الأساس على إجازة وإمضاء هذين الشخصين. ولذا، فإن لفظ «وَلِيَّانِ» لا يشمل الأب والجد. فإذا قبلنا بهذا التوجيه، فلن تُعد هذه الرواية من الروايات الدالة على الجواز.

وعلى أية حال، إن أردنا القبول بصدور كل من صدر الرواية وذيلها عن الإمام (عليه السلام)، فلا مناص من توجيه صدر الرواية بهذا النحو، أو أن نقول – نظراً للتهافت القائم بين الصدر والذيل – بطرح هذه الرواية وردّ علمها إلى أهلها. فالذيل لا يقبل التوجيه؛ إذ يقول إن الأب يمتلك الحق في ذلك والمهر على عاتق أبي البنت أيضاً. ولكن كما سلف البيان، يمكن حمل صدر الرواية على الولي العرفي وأنه لا يشمل الأب والجد.

وعليه، لا تدل الرواية الأولى على الجواز؛ لأن موضوع بحثنا هو تزويج الأب والجد، وليس الولي العرفي كالأخ والخال؛ ومن ثم، فلا صلة لها بمحل بحثنا.