The news is by your side.

الدرس التاسع والخمسون، أصل البراءة، أدلة البراءة، الدليل الثاني

الدرس التاسع والخمسون

أصل البراءة – أدلة البراءة – الدليل الثاني: الروايات – الرواية الأولى: حديث الرفع – دراسة سند الرواية – دراسة المناقشة الأولى، الثانية، الثالثة والرابعة – شرح رسالة الحقوق – حق الصوم – أهمية الصوم

26 جمادى الآخرة 1404 هـ

خلاصة الجلسة الماضية

أفدنا الكلام في الجلسة السابقة بالقياس إلى سند حديث الرفع؛ حيث بیّنّا أنه على الرغم من ذهاب المشهور إلى وصف هذا السند بالصحة والاعتبار، إلا أن فريقاً من الأعاظم لم يرتضوا صياغته بالصحة نظراً لاستقرار “أحمد بن محمد بن يحيى العطار” في سلسلته؛ إذ يرى هؤلاء الأعلام ومنهم صاحب الجواهر والمرحوم النراقي والمرحوم السيد الخوئي أنه رجل مجهول الحال لا ينال السند به حظاً من الاعتبار، بيد أن طائفة واسعة من المعاصرين والمتقدمين قد حكموا بصحة السند خلافاً لذلك.

وقد جرى استعراض وجه القول بالصحة بالأمس متمثلاً في أن أحمد بن محمد بن يحيى العطار -وإن خلا من التوثيق الخاص في كلمات المتقدمين من الرجاليين- إلا أنه نأى عن أي قدح أو تضعيف في حقه أصلاً؛ يضاف إلى ذلك إكثار الأجلاء من الرواية عنه، وكونه في زمرة مشايخ الإجازة للشيخ الصدوق، فضلاً عن تصدي متأخري علماء الرجال لتوثيقه بخصوصه، ناهيك عن إيداع الرواية في جامع الكافي الشريف وهو ما يكفي في ثبوت اعتبارها عندنا. وبمجموع هذه القرائن والشواهد ذهبنا إلى صحة السند والاعتبار؛ غير أن هذه الوجوه المقررة قد واجهت نقوضاً وإشكالات تقتضي الدراسة والمحاكمة الصناعية.

دراسة الإشكالات

الإشكال الأول ودراسته

أما الإشكال الأول فيتوجه بالدقة نحو مبدأ القول باعتبار روايات الكافي بمجرد النقل؛ حيث يذهب جمع عريض من الأصوليين إلى أن صرف إيداع الرواية في كتاب الكافي لا ينهض دليلاً على اعتبارها بل يتعين معالجة السند وإخضاعه للموازنة؛ غير أن مبنانا المستقر في الباب هو ثبوت الاعتبار لروايات الكتب الأربعة قاطبة؛ وهذا الاختلاف يندرج ضمن اختلاف المباني الذي لا يتأتى صياغة جواب مستأنف له في المقام.

الإشكال الثاني

وأما وجه الاعتماد على كون أحمد بن محمد بن يحيى العطار من مشايخ الإجازة، والقول بكفاية هذا المقام وحده لإثبات الوثاقة، فقد تعقبته كلمات المحقق الخوئي بالنقض والإبطال من جهتين:

  1. يقرر المرحوم السيد الخوئي في إشكاله الأول: انتفاء الفارق الفاصل في الرتبة والصناعة بين شيخ الإجازة وشيخ الرواية؛ فلو عمد الشيخ الصدوق مثلاً إلى نقل رواية مفردة عن أحد مشايخه في الرواية، لما نهض صرف هذا التموضع لدلالة الوثاقة في حق ذلك الشيخ عندكم؛ فلِمَ المصير إلى تفرقة صناعية تقضي بانتفاء الدلالة في مشايخ الرواية وثبوتها في مشايخ الإجازة؟ وأي ميزة فارقة تلتمسونها في هذا الميزان؟

نعم، يلوح في الأفق فارق ومزية لشيخ الإجازة؛ حاصلها: أن صدور الإجازة من الشيخ يثبت اتصال سند الرواية من المستجيز صعوداً إلى صاحب الكتاب؛ بيد أن مجرد إثبات اتصال السند وصحته طريقاً لا يلازم بالضرورة ثبوت الوثاقة والعدالة في حق الراوي نفسه.

الإشكال الثالث

  1. ويعقب المحقق الخوئي بإشكال ثانٍ صياغته: أن دعوى ملازمة مقام شيخ الإجازة للتوثيق والاعتبار منقوضة بالوجدان؛ لشهودِ مشايخ للإجازة قد صرح النجاشي بتضعيفهم؛ ومثاله: “الحسن بن محمد بن يحيى”؛ فهو من مشايخ الإجازة المعروفين، ومع ذلك فقد تصفحته كلمات النجاشي بالغمز والتضعيف؛ وهذا النقض يبرهن على انتفاء الملازمة بين شيخ الإجازة والتوثيق.

دراسة الإشكال الثاني

والذي ينعقد عليه النظر علمياً: أن هذا الإشكال الموجه من قِبل المحقق الخوئي غير وارد؛ لكون المتوفر على مقام شيخ الإجازة محكوماً بالوثاقة في سيرة أصحاب الحديث؛ وإلا لامتنع على الأعاظم كشيخ الطائفة الطوسي والشيخ الصدوق المبادرة إلى التلقي واستجازة النقل من شخص تعتريه شائبة الضعف أو عدم الوثاقة. والتحقيق أن مشايخ الإجازة يحوزون منزلة أرفع وأهم من مشايخ الرواية في الصناعة؛ فكيف يسوغ ادعاء التماثل والاتحاد بينهما؟ إن شأن المحقق الصدوق حينما يقصد محدثاً ليأخذ منه إجازة عامة في نقل أصل بأكمله أو كتاب بتمامه -وليس مجرد نقل خبر مفرد- يكشف كشفاً إنياً قطعياً عن اعتماده عليه ووثاقته عنده؛ ومن ثم يرتفع الإشكال الأول للمرحوم السيد الخوئي ولا يقع موقع القبول.

السؤال:

الأستاذ: الأمر كذلك بلا ريب؛ فإن الأعاظم كالصدوق والطوسي ينأون بأنفسهم عن قصد الأشخاص العاديين أو من لمتطرق الشك إلى وثاقتهم ليتخذوهم مشايخ إجازة للأصول والكتب. فلِمَ نمنع من جعل هذا المسلك كاشفاً وامارة على الوثاقة؟ وهل يستقيم في الذهن أن يستجيز الصدوق شخصاً غير ثقة لنقل دفتي كتاب كامل يشتمل على مجموع مروياته؟ کلا طبعاً.

دراسة الإشكال الثالث

وأما إشكاله الثاني المستند إلى تضعيف النجاشي لبعض مشايخ الإجازة، فهو مدفوع أيضاً ولا يقدح في أصل مدعانا؛ لكوننا نفرض المطلب صياغةً في المورد الذي يثبت فيه تضعيف من قِبل الأقدمين كالنجاشي أو الطوسي؛ فهناك يستقر القدح بالتعارض؛ غير أن كلامنا في أحمد بن محمد بن يحيى العطار منوط بخلو ساحته من أي قدح أو غمز من قِبل الرجاليين المتقدمين. وبعبارة صناعية دقيقة: إنما نقرر كون مشايخ الإجازة أمارة للتوثيق بشرط عدم عروض القدح والتضعيف في حقهم من أئمة الرجال؛ وأحمد بن محمد بن يحيى العطار واجد لهذا الشرط بامتياز إذ لم يثبت في حقه أدنى قدح.

وعليه، فلو وصفه صاحب الجواهر وغيره بالجهالة، فإنما مرادهم الجهالة الناشئة من فقد التتوثيق الخاص لا الجهالة المقترنة بالقدح؛ وفي المقابل نجد الأعلام كالمرحوم البروجردي والإمام الخميني يقطعون بوثاقته واعتباره.

الإشكال الرابع ودراسته

وأما ما يرجع إلى “كثرة نقل الأجلاء”، فالواقع القائم أن أحمد بن محمد بن يحيى العطار قد وقع مورداً لروايات وفيرة نقلها عنه الأعلام والأجلاء الموثوقون؛ ومتى ما تظافرت روايات الأكابر عن راوٍ واحد انقدح الاطمئنان والاعتبار بوثاقته تلقائياً؛ فالبحث هاهنا لا يدور مدار خبر أو خبرين، بل نحن بإزاء دزينة وعشرات من الروايات المنقولة بطريقه؛ فكيف يسوغ إسقاط هذه القرينة وإغفالها بمجرد نفي التتوثيق الخاص؟ فهذا مسلك لا وجه لقبوله؛ والصحيح أن كثرة نقل الأجلاء تُعد بحق من أمارات الوثاقة والاعتبار.

بررسی مناقشه چهارم

وبطبيعة الحال، فإن هذه الأبحاث المسرودة تندرج ضمن المسائل المبنائية في علم الرجال، وقد استوفينا حقها تفصيلاً في مصنفاتنا؛ كالبحث في مرتبة إكثار الأجلاء وحجية توثيقات المتأخرين؛ لذا نكتفي هاهنا بصرف الإشارة والموازنة الموجزة حذراً من الإطالة بعد فوات وقت الجلسة.

الإشكال الخامس ودراسته

ومما سُجل في هذا الباب أيضاً منع المحقق الخوئي لحجية توثيقات المتأخرين جملة وتفصيلاً؛ مفرقاً بين توثيق المتقدمين (كـ البرقي، والكشي، والنجاشي، والشيخ الطوسي وأضرابهم حتى عصر الشيخ الطوسي) لكونه صادراً عن حس ومعاشرة وقرب عهد بالرواة، وبين توثيق المتأخرين (وهم من تلو عصر الشيخ الطوسي كـ ابن شهرآشوب، والعلامة الحلي، والشهيد الثاني، والمقدس الأردبيلي في بعض المواضع) لكونه عارياً عن الحس وناشئاً عن القرائن والحدس والاجتهاد الأصولي؛ فلا ينهض بالحجية بنظره الشريف وإن أفاد الاطمئنان؛ وهذا التفصيل يقع موقعاً للبحث الطويل؛ إذ منعنا في موضعه من كون جميع توثيقات المتقدمين حسية بالكلية، كما أن توثيق المتأخرين يسير وفق الضوابط والقواعد الدارجة عند السلف.

والحاصل أن توثيقات المتأخرين -وإن منعنا من استقلالها بالدلالة- إلا أنها صالحة للاعتبار والانضمام في حق أحمد بن محمد بن يحيى العطار؛ ومن ثم ترتفع هذه الإشكالات قاطبة عن صياغة السند، ويستقر القول باعتباره وصحته صناعة.

ودونك رتبة أعلى في البحث؛ فلو تنزلنا جدلاً وفرضنا انتفاء هذه الأدلة بأسرها وعجزها عن إثبات الوثاقة لِأحمد بن محمد بن يحيى العطار، فهل ينغلق باب التصحيح؟

الجواب: كلا؛ إذ يتأتى التمسك بقاعدة “عمل الأصحاب جابر لِضعف السند”؛ نظراً لكون المشهور من العلماء والفقهاء قد أرسلوا وعملوا بمضمون هذا الحديث؛ والشهرة الفتوائية والعملية كافية في جبر الوهن السندي الموهوم؛ وإن كان المحقق الخوئي يأبى قبول هذا المبنى أيضاً بعد عدوله الشهير عنه.

بيد أننا نلتزم بقبول قاعدة الجبر؛ ونقرر أنه حتى مع غض الطرف عن القرائن المتقدمة، فإن الرواية تنهض بالاعتبار لاعتماد المشهور وعملهم بها.

هذا تمام الكلام في سند الرواية، أما دلالة الرواية وسياق فقهها فسنعرض لهما في الجلسة المقبلة بمشيئة الله تبارك وتعالى.

شرح رسالة الحقوق

كنا قد أشرنا سابقاً إلى أن الإمام السجاد (عليه السلام) قد انبرى لِبيان “حق الصوم” في عريض كلامه، وأفدنا بياناً إجمالياً لمعنى الفراغ الصادر عنه (عليه السلام).

ونحن نبتدئ هاهنا بسرد بضع كلمات حول منزلة هذه العبادة وأهميتها، لنلج بعد ذلك بمشيئة الله إلى تفصيل الحقوق المقررة لها في كلام الإمام زين العابدين (عليه السلام).

أهمية الصوم

يُعد الصوم من الواجبات العظام والتشريعات الغراء التي حظيت بعناية فائقة وتأكيد بالغ في محكم الكتاب الكريم وسنة المعصومين (عليهم السلام)؛ حيث قال الله سبحانه في كتابه العزيز: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (البقرة: 183).

ولفظ “كُتب” يفيد الوجوب والتشريع الحتمي؛ أي جُعل الصوم فريضة لازمة عليكم كما كان فرضاً على سلفكم من الأمم السابقة، غايةً لنوال رتبة التقوى والورع.

وعلى وفق ما نطقت به جملة من الأخبار، فإن الصوم في الشرائع الغابرة كان فريضة مقصورة على الأنبياء والرسل دون أممهم؛ فكانت الأنبياء قاطبة مكلفة بالصيام منذ فجر الرسالات، بينما تميزت الشريعة الخاتمة بعمومية هذا التكليف واستيعابه لأمة محمد (صلى الله عليه وآله وسلم) جمعاء؛ وهذا التميز والتشريف للأمة قد نوه به الإمام السجاد (عليه السلام) في الدعاء الخامس والأربعين من الصحيفة السجادية المباركة. غير أن طائفة من المحققين يذهبون إلى ثبوت التكليف بالصيام للأمم السابقة أيضاً وإن تباينت صياغته وهيئته؛ لظهور ذلك في ديانة اليهود وغيرها؛ فالقول باختصاصه بالأنبياء دون الأمام ليس على درجة من الوضوح التام.

وعلى أية حال، سواء كان الصيام فريضة محصورة في الأنبياء أم عامة في الأمم السابقة، فإنه يمثل واجباً عظيماً جُعلت “التقوى” ثمرةً يانعة ونتيجة أصلية له.

وقد تواترت الروايات في تبيين عظم الصوم؛ فقد روى زرارة عن الإمام الباقر (عليه السلام) قوله: «بُنِيَ الإسْلامُ عَلَى خَمْسٍ: عَلَى الصَّلاةِ وَ الزَّكاةِ وَ الصَّوْمِ وَ الحَجِّ وَ الْوِلايَةِ». ثم أردف في ذيل الحديث ناقلاً عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) قوله: «الصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنَ النَّارِ». وإن إدراج الصوم في ركائز الإسلام الخمس يبرهن برهاناً ساطعاً على خطورة هذا الواجب وأهميته؛ وسنعمد إلى تفصيل كلام الإمام السجاد (عليه السلام) لاحقاً في تبيين كيفية صيرورة الصوم جنة ووقاية من النار.

فالحاصل أن الصوم من أمهات العبادات وله آثار مادية ومعنوية لا تحصى؛ فقد ورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم) أنه قال: «نَومُ الصائمِ عِبادَةٌ، و نَفَسُهُ تسبيحٌ». فالصائم يُعد نومه عبادة ونَفَسه تسبیحاً بذاته؛ فلم يقل (صلى الله عليه وآله وسلم) إن له ثواب التسبيح، بل قال: هو عينه تسبيح؛ فعلى الرغم من کونه صرف نَفَس طالع ونازل لا ذكر فيه ولا نطق، إلا أنه يتحول في حق الصائم -سواء كان ماشياً أم جالساً أم نائماً- إلى تسبیح وتقديس لله سبحانه. وإن عبادة تضفي مثل هذا الصبغ المعنوي على شؤون الإنسان العادية لهي حرية بالرعاية والمعرفة؛ ويتعين علينا الوقوف بدقة على الحقوق الواجبة علينا تجاه هذه العبادة العظيمة.

وقد أردت بهذه الكلمات الوجيزة تبيين عظم الصوم وأهميته، لنلج بعد ذلك في تبيين ما له علينا من الحقوق والواجبات.