The news is by your side.

الدرس السابع والثلاثون، أصل البراءة، البراءة العقلية، المطلب الأول

الدرس السابع والثلاثون
أصل البراءة – البراءة العقلية – المطلب الأول: السابقة التاريخية للبراءة العقلية

19 جمادى الأولى 1447 هـ

أصل البراءة

لقد بيّنا حتى الآن جميع المقدمات الضرورية المرتبطة بالأصول العملية تقريباً؛ حيث ذكرنا زهاء إحدى عشرة مقدمة. ونشرع ابتداءً من اليوم في مبحث أصل “البراءة”.

البراءة العقلية

لا بد من تقديم مقدمة قبل الشروع في مبحث البراءة؛ وهي أن كُتب الأصول تتناول عادة مبحث البراءة الشرعية، ولا تُعنى كثيراً ببحث ودراسة البراءة العقلية. فالأدلة التي يُقيمونها والمطالب التي يطرحونها تدور عمدةً حول البراءة الشرعية. ولذا، سنورد في هذه المقدمة توضيحاً موجزاً حول البراءة العقلية؛ يتناول أحدهما السابقة والتاريخية للبراءة العقلية، والآخر دليل البراءة العقلية.

المطلب الأول: السابقة التاريخية للبراءة العقلية

حظيت البراءة العقلية بهذا المضمون (أي قبح العقاب بلا بيان) بمزيد من الاهتمام منذ عهد الوحيد البهبهاني. وقبله، وإن استُخدم هذا التعبير حتى في كتب الأكابر والعلماء والفقهاء، إلا أن المراد به لم يكن «قبح العقاب بلا بيان». وقد شهدت التعبيرات تباينات عبر عدة عصور. وسأعرض هذه التعبيرات الآن؛ وهي تعبيرات تقارب هذا المعنى بنحو من الأنحاء، وقد يُظن أنها البراءة العقلية عينها، بيد أن المراد بها لم يكن البراءة العقلية بهذا المعنى. بل إن تعبير “البراءة العقلية” قد استُخدم في بعض العصور، دون أن يُراد به قبح العقاب بلا بيان.

1. أحد التعابير هو «الإباحة عند الشك في الإلزام». وقد استخدم الشيخ الصدوق هذا التعبير مقراً: إن شككنا في الإلزام، قلنا بالإباحة. ولكن ليس من المعلوم إن كان مراده من «الإباحة عند الشك في الإلزام» هو ذات البراءة العقلية أم شيئاً آخر؟ فيُحتمل أن يكون مراد الشيخ الصدوق من «الإباحة عند الشك في الإلزام» هو الإباحة الشرعية عينها.

نحن نروم معرفة ما إذا كان للبراءة العقلية سابقة تاريخية أم لا. نعم، «الإباحة عند الشك في الإلزام» هي في الواقع ذات البراءة، ولكن لعلها الإباحة الشرعية أو البراءة الشرعية عينها. فالبراءة العقلية أو الإباحة العقلية بمعنى «قبح العقاب بلا بيان» لا تتجلى كثيراً في كلمات الشيخ الصدوق.

2. بعد الشيخ الصدوق، وفي عهد الشيخ المفيد والشيخ الطوسي، لم تُطرح مسألة «الإباحة عند الشك في الإلزام» فحسب، بل طُرح «الحظر عند الشك» أيضاً. فقد أثاروا بحثاً حول حكم الأصل في الأشياء: «الأصل في الأشياء هل هو الحظر أو الإباحة؟» وبطبيعة الحال، في المورد الذي لا يحكم فيه العقل استقلالاً بالحسن أو القبح، تُطرح هذه المسألة: هل الأصل في الأشياء هو المنع أم الإباحة؟ ففي غير الموارد التي يستقل فيها العقل بالحكم بالقبح أو الحسن، طُرحت مسألة أن الأصل الأولي في الأشياء هو المنع. ودليلهم في ذلك هو أننا لو أردنا ارتكاب شيء نشك فيه، فلن نأمن الوقوع في المفسدة؛ فربما كانت فيه مفسدة، وبإتياننا إياه وارتكابه نقع في تلك المفسدة.

وهذه الرؤية تتنافى تماماً مع البراءة العقلية التي هي محط بحثنا. فمفاد البراءة العقلية هو «قبح العقاب بلا بيان»، بينما تقرر هذه الرؤية الاحتياطية (والتي تقف على النقيض منها تماماً): إننا بإتيان الشيء المشكوك لا نأمن الوقوع في المفسدة.

3. في المرحلة التي أعقبت الشيخ الطوسي (والتي لعلها لم تكن بعيدة العهد به)، وتحديداً في الزمن القريب من الشيخ الطوسي، نلحظ تعبير “البراءة العقلية” في كلمات ابن زهرة. ولعل أول من استخدم تعبير “البراءة العقلية” هو ابن زهرة، الذي عاش بعد الشيخ الطوسي. ولكن هاهنا أيضاً، ليس من الجلي تماماً أن مراد ابن زهرة من البراءة العقلية هو ذات «قبح العقاب بلا بيان». لأن ابن زهرة يقول: «التكليف مع عدم العلم قبيح». فقارنوا هذا بـ «قبح العقاب بلا بيان». فهو يقول: «التكليف مع عدم العلم قبيح؛ لأنه من التكليف بغير المقدور»؛ أي إن التكليف بما لا يُعلم، قبيح؛ لكونه من مصاديق التكليف بغير المقدور (تكليف ما لا يُطاق). وهذه المسألة قد أوقعت الآخرين في حيرة إزاء فهم مراد ابن زهرة.

فلو أخذنا ذات الجملة القائلة: «التكليف مع عدم العلم قبيح»، لأمكن تطبيقها على «قبح العقاب بلا بيان». وبطبيعة الحال، فإن هذا التطبيق لا يخلو من تكلف. غير أن هذه العبارة بمفردها قابلة للانسجام معه. بيد أن جعله هذا من مصاديق التكليف بغير المقدور، قد عقّد المسألة إلى حد ما. لأن لازم هذا القول هو أن الجهل يُوجب انتفاء القدرة. أي حينما يجهل الإنسان شيئاً، فإنه يعجز عن إتيانه. وهذا القول محط إشكال؛ لأن الجهل لا يُوجب انتفاء القدرة. ولذا، قال البعض إن مراد ابن زهرة هو تعذر الامتثال التفصيلي. في حين أن الامتثال الإجمالي مقدور. ففي النهاية، يسع الشخص أن يحتاط. فلو فرضنا أننا لا نعلم، فغاية الأمر هو تعذر الامتثال التفصيلي علينا، ولكن الامتثال الإجمالي (بمعنى الاحتياط) مقدور. ولذا، حُمل كلام ابن زهرة على أن مراده هو عدم القدرة على الامتثال التفصيلي.

السؤال: العبارة غير ناظرة للعقاب أصلاً؛ بل تقرر: يجب على الله أن يُبيّن مثلاً كيفية الصلاة ليعلمها الناس؛ إذ لو لم يعلموا لعجزوا عن أدائها. ولكنه لم يقل إنه لو لم يُبيّن فقبيح.

الأستاذ: بلى؟ نحن نقول إن العقاب بلا بيان قبيح؛ لأن تكليف الصلاة… لو لم يُبيّن الله تفاصيل الصلاة، لعجز الناس عن أدائها. بلى، يعجزون عن الأداء. وهذا ليس محط بحثنا. بحثنا هو: حينما لا يقرر الله مثلاً كيفية الصلاة، فكيف يصلي الناس؟ … ما هو لازم هذا؟ … نحن نروم معرفة ما إذا كانت البراءة العقلية الواردة في كلام ابن زهرة يُراد بها ذات «قبح العقاب بلا بيان»؟ فنقول: لا. ونقول: لماذا؟ … فهو يقول: «قبح التكليف مع عدم العلم»… أنتم تكررون ذات الإبهام الموجود في كلامه.

إذن، فقد ورد تعبير البراءة العقلية في كلام ابن زهرة، ولكن من المسلم به أن مراده ليس قبح العقاب بلا بيان.

4. وبعد ذلك، لم تحظَ هذه المسألة بكبير اهتمام لفترة من الزمن، حتى طرح المحقق الحلي مسألة البراءة واستدل عليها. ولم يَرِد في تعبيره البراءة العقلية بهذا المعنى. بيد أن استدلالات المحقق الحلي على البراءة جديرة بالاهتمام، ولها صلة ببحثنا.

فقد أورد (رحمه الله) في أحد تقريباته واستدلالاته “استصحاب حال العقل”. فما هو استصحاب حال العقل؟ يعني أنه قبل وجود الشريعة، وقبل إبلاغه بتشريع أو قانون بالأساس، لم يكن للإنسان أي تكليف. والآن نشك: هل ثبت تكليف تجاه هذا الشيء أو في هذا المورد أم لا؟ فنجري استصحاب حال العقل؛ وهو ذات استصحاب عدم التكليف قبل التشريع أو العدم الأزلي. ووفقاً لهذا البيان، فقد استُند في البراءة للاستصحاب، وغدا الاستصحاب مرجعاً للبراءة.

والآن، لو اعتبرنا دليل البراءة هو استصحاب حال العقل، فهل يسعنا القول إن هذا هو ذات قبح العقاب بلا بيان؟ أي هل استصحاب حال العقل هو عين البراءة العقلية الشائعة اليوم والتي مفادها قبح العقاب بلا بيان؟ قطعاً ليس الأمر كذلك. فقبح العقاب بلا بيان يغاير استصحاب حال العقل قطعاً.

وعليه، يمكن القول إنه لا أثر في هذا التقريب للبراءة العقلية بمعناها المتفاهم اليوم، والذي شاع منذ عهد الوحيد البهبهاني فصاعداً.

التقريب الآخر الذي ذكره المحقق الحلي، هو أن «التكليف بشيء دون نصب دليل عليه، قبيح»؛ أي من القبيح أن يُكلّفنا دون أن يُنصب دليل على التكليف. ثم يقرر (رحمه الله): «عدم وصول دليل، دليل على عدم وجود دليل». ومن ثم يخلص لنتيجة مفادها أن التكليف قبيح في حال عدم وجود دليل عليه.

إذن، فقد جمع (رحمه الله) بين مقدمتين ليخلص لنتيجة مفادها أن التكليف بشيء لم يُعثر على دليل له، قبيح.
المقدمة الأولى: التكليف بشيء لم يُنصب عليه دليل، قبيح.
المقدمة الثانية: حينما نبحث ولا نجد دليلاً، يُعلم انتفاء الدليل.
النتيجة هي انتفاء التكليف؛ لكون التكليف دون وجود دليل قبيحاً.
ونحن لا شأن لنا حالياً بصحة هذا الاستدلال أو سقمه.

السؤال: …

الأستاذ: هو يقول: عدم وصول دليل، دليل على عدم وجود دليل. أي لو بحثنا في مظان وجود الدليل ولم نعثر عليه، فهذا حاكٍ عن عدم وجود دليل. فشيء يكون موضع حاجة الناس وابتلائهم، ولا نجد له أي أثر أو شارة في أي مكان، يُعلم أنه لا دليل عليه.

ونحن لا شأن لنا حالياً بتقريب استدلاله أيضاً. العمدة هو أن نرى ما إذا كان هذا الاستدلال ينسجم مع قبح العقاب بلا بيان أم لا.

وهذا أيضاً لا ينطبق على البراءة العقلية. فمفاد البراءة العقلية هو قبح العقاب بلا بيان. بينما هذا «قبح التكليف دون نصب دليل»، وبينهما فارق.

إذن، فقد لاحظتم حتى الآن وعبر أربع مراحل، أن البراءة العقلية بهذا المضمون لا وجود لها في لسان الفقهاء.

5. وبعد المحقق الحلي، أدرجوا البراءة في زمرة الأدلة العقلية؛ أي شاع إدراج البراءة ضمن الأدلة العقلية. لأن التقريبين اللذين أوردهما المحقق للاستدلال على البراءة كلاهما عقلي: «استصحاب حال العقل» بمعنى من المعاني (وإن كان الاستصحاب نفسه شرعياً، فاستصحاب حال العقل يعني قبل الشرع)، و«قبح التكليف مع عدم نصب دليل» وهو حكم عقلي أيضاً. ولذا، فقد أدرجوا البراءة بعد المحقق في زمرة الأدلة العقلية.

السؤال: …

الأستاذ: لقد ذكرت أن الاستصحاب شرعي، ولكن إن تذكرتم فقد قلنا سابقاً إن الاستصحاب كان ثابتاً لديهم (أي القدماء) بحكم العقل. وبناءً عليه نقول… نحن ننقل كلامهم. ولا نروم التقييم حالياً، بل نريد القول إن البراءة العقلية بالمعنى المتعارف في عصرنا، لا سابقة لها ظاهراً حتى عهد الوحيد البهبهاني؛ سواء استخدموا تعبير البراءة العقلية أم لم يستخدموه. فقد استخدموا عبارات وكلمات تشعر بالتفاتهم للبراءة العقلية. ولكن واقع الأمر هو أننا حينما نُمعن النظر في كلماتهم، نجد أن ما أفادوه لا صلة له بـ «قبح العقاب بلا بيان».

السؤال: …

الأستاذ: قبح التكليف دون نصب دليل ليس انطباقاً تاماً. بل هو قريب.

6. ومنذ عهد الوحيد البهبهاني، اشتهرت البراءة العقلية بهذا المعنى والمضمون: أن العقاب بلا بيان قبيح. فقالوا: في نظر العقل، لو عُوقب شخص لعدم إتيانه بعمل، والحال أنه لم يكن ثمة أي بيان، فهذا قبيح. وبطبيعة الحال، فقد كان هذا هو الفكر السائد لدى الأصوليين منذ ذلك الحين فصاعداً. ومن الطبيعي أن هذا الفكر قد برز واكتسب اهتماماً في مدرسة الشيخ الأنصاري كعنصر محوري. ولكن منذ ذلك الحين أيضاً، أُثيرت تشكيكات حول البراءة العقلية. ومنها قول البعض بعدم جريان البراءة العقلية في الشبهات المفهومية. وذهب آخرون لعدم جريان البراءة العقلية في الشبهات الموضوعية؛ لأن بيان المصاديق ليس من وظيفة المولى أساساً. فلا وظيفة له في تحديد المصاديق وتعيينها. ولذا، لا يمكننا إطلاقاً إجراء قبح العقاب بلا بيان في الشبهات الموضوعية. وكانت هذه التشكيكات تُثار بين الفينة والأخرى، بل إن البعض يُنكر «قبح العقاب بلا بيان» إنكاراً كلياً بطبيعة الحال.

7. ومن بين المعاصرين، فإن من أنكر «قبح العقاب بلا بيان» كأصل أولي وحكم عقلي هو المرحوم الشهيد الصدر. فهو ينكر البراءة العقلية بالكلية. ونظرية “حق الطاعة” التي طرحها، تبتني على رد «قبح العقاب بلا بيان». وبطبيعة الحال، فهو قائل بـ “حق الطاعة” و”حق المولوية”. وقد بحثنا هذه النظرية مفصلاً، وانتقدناها ورددناها في كتاب “الحكم”، والذي طُبع مستقلاً أيضاً ككتاب موجز يبحث هذه النظرية ويناقشها بصورة إجمالية.

مبحث الجلسة القادمة

كان هذا تقريراً إجمالياً لمسار تطور البراءة العقلية. بيد أن هناك نكتة أخرى مهمة أيضاً، وهي: ما هو مستند هذه البراءة العقلية؟ فبأي دليل تقولون إن العقاب بلا بيان قبيح؟ وهل يستند القائلون بذلك إلى دليل واحد، أم تتفاوت أدلتهم؟ سنشير إلى هذه الأمور إجمالاً، لنشرع بعدها بمشيئة الله في مبحث البراءة الشرعية.