The news is by your side.

الدرس الخامس والثلاثون، المقدمات، المقدمة الحادية عشر

الدرس الخامس والثلاثون
المقدمات – المقدمة الحادية عشرة: تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر – الجهة الأولى: تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية

17 جمادى الأولى 1447 هـ

المقدمة الحادية عشرة: تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر

لقد سردنا حتى الآن عشر مقدمات من المباحث المرتبطة بالأصول العملية. وكان لزاماً علينا قبل الشروع في مبحث أصل البراءة، إيراد مقدمات كلية حول الأصول العملية. وقد تبقت مقدمة واحدة سنعرض لها بمشيئة الله، لنشرع بعدها في أصل البراءة.
وتدور المقدمة الحادية عشرة حول تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر. ففي الأصول الشرعية نفسها، تتقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة. وعليه، فإن بحثنا في تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر يتركز في جهتين، وسنطويهما تحت عنوان مقدمة واحدة، وإن كانت هذه المقدمة تشتمل على جهتين. إذن، عنوان المقدمة الحادية عشرة هو: تقدم بعض الأصول العملية على بعضها الآخر. وفي هذه المقدمة، ندرس جهتين:
الجهة الأولى: تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية.
الجهة الثانية: تقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة من الطائفة الشرعية.
فنقارن أولاً الأصول العملية الشرعية بالأصول العملية العقلية، ثم نقارن بين الأصول العملية الشرعية ذاتها (المحرزة وغير المحرزة) لنرى أيها يُقدم. وبطبيعة الحال، ومن خلال المطالب التي بيّناها في المقدمة العاشرة، يبدو حكم الجهة الثانية جلياً تقريباً؛ ولكن من باب استكمال هذه المقدمة وشمولها، سنشير إلى هذه الجهة إجمالاً أيضاً.

الجهة الأولى: تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية

تدور الجهة الأولى حول تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية. ولإيضاح وجه هذا التقدم، لا بد أولاً من التطرق للفروق بين هاتين الطائفتين من الأصول؛ فما هو الفارق بين الأصل العملي الشرعي والأصل العملي العقلي؟
يُلحظ الفارق تارة من جهة المضمون والمحتوى للحكم العقلي والشرعي، وتارة أخرى من جهة الحاكم بذلك الحكم.
ففيما يخص محتوى الحكم العقلي الذي يبتني عليه الأصل العملي، ثمة اختلاف في الرؤى: هل الحكم العقلي عبارة عن إدراكات عقلية، أم أنه عبارة عن البناءات العملية للعقلاء، أم هو ما يلائم النفس الإنسانية؟ وهذا يؤول للرؤى المطروحة حول ماهية حكم العقل العملي. فمثلاً، يرى البعض كالمحقق الأصفهاني أن أحكام العقل العملي تندرج ضمن الآراء المحمودة؛ أي ما تطابق عليه العقلاء وانعقدت آراؤهم عليه. بينما يذهب آخرون لرأي مغاير، ولا يعتدون بما يتوافق عليه العقلاء أو يتطابقون؛ بل يرون أن هذه الأحكام هي في الواقع إدراكات العقل للينبغي ولا ينبغي؛ لارتباطها بالعقل العملي، وأنها أمور واقعية لا تتبع مجرد رأي العقلاء أو تطابق آراء العقلاء. بل هي حقائق يدركها العقل الإنساني، غاية الأمر أن هذا الإدراك يتعلق بالينبغي ولا ينبغي، ويغاير إدراك ما هو كائن وما ليس بكائن. فإدراك ما هو كائن وما ليس بكائن يندرج في نطاق العقل النظري، بينما يختص إدراك الينبغي ولا ينبغي بالعقل العملي.
وفيما يخص الأحكام الشرعية التي تبتني عليها الأصول العملية الشرعية وتشكل محتواها، فهناك اختلاف في الرؤى أيضاً. فهذه الأحكام -كما أشرنا في مبحث حقيقة الحكم- محط اختلاف في الآراء؛ فما هي حقيقة الحكم الشرعي؟ هل هو ضرب من الاعتباريات، أم إرادة مبرزة، أم هو مثلاً إنشاء بداعٍ خاص؟ هذا محط خلاف. ومن هنا، يتباين محتوى ومضمون الأصول العملية العقلية عن محتوى ومضمون الأصول العملية الشرعية.
كما أن الحاكم في الأصول الشرعية هو الشارع؛ بينما الحاكم في الأصول العقلية هو العقل. وبطبيعة الحال، لا يقتصر كون الحاكم في الأصول الشرعية هو الشارع على هذه الأصول فحسب، بل ينسحب الأمر على الأمارات أيضاً؛ أي إن الحاكم في الأمارات هو الشرع أيضاً. ولذا، فالبون شاسع بين الأصول العملية العقلية والأصول العملية الشرعية، من حيث المضمون والحاكم معاً.
وبناءً على هذه المقدمة التي أوضحناها، نروم دراسة: أي الأصول تتقدم، الأصول العملية العقلية أم الأصول العملية الشرعية؟ فلو كان لدينا أصل عملي عقلي (كالبراءة العقلية أو قبح العقاب بلا بيان)، وفي مقابله الاستصحاب الذي هو أصل شرعي، فأيهما يُقدم؟ هذا أمر كثير الوقوع، والواقع أنه كثير الابتلاء أيضاً. ففي المورد الذي يسعنا فيه إجراء الاستصحاب والبراءة العقلية معاً، أيهما يُقدم؟ (نحن هاهنا بصدد مقارنة الأصل العملي الشرعي بالأصل العملي العقلي فحسب). وفي هذه المقارنة، تتقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية قطعاً وبلا ريب.
فعلى سبيل المثال، لو فرضنا حكماً لعقلنا في مورد ما بعدم التكليف من باب قبح العقاب بلا بيان؛ (لأن مضمون البراءة العقلية هو ذلك، فهي تقرر: بما أنه لم يُبيّن لك تكليف، فقبيح أن تُعاقب على عدم الإتيان بذلك التكليف؛ إذ لم يُبيّن لك شيء بوصفه تكليفاً لتُعاقب على تركه). ومن جهة أخرى، كان لدينا يقين بشيء في الماضي، ونشك فيه الآن؛ فالاستصحاب يقتضي إبقاء اليقين السابق واستصحاب ما كان. والفرض هاهنا أن اليقين السابق يوجب علينا تكليفاً. (فلو كان اليقين السابق هو عدم التكليف ذاته، لما كان ثمة تعارض بينهما بطبيعة الحال؛ فالبراءة العقلية تقرر عدم التكليف، والاستصحاب يقرر عدم التكليف أيضاً). غير أن الفرض هاهنا أن الاستصحاب يوجب علينا تكليفاً، بينما ترفع البراءة العقلية التكليف. ففي هذه الصورة، يتقدم الاستصحاب على البراءة العقلية بلا ريب؛ إما من باب الورود وإما من باب الحكومة.
وعلة هذا التقدم تكمن في أنه وفقاً لحكم العقل بقبح العقاب بلا بيان، فلو انتفى البيان، وأرادوا معاقبة الشخص على عدم إتيانه بتكليف لم يُبيّن له أصلاً، فهذا قبيح. أما بمقتضى الاستصحاب، فـ “إبقاء ما كان” يُعد بياناً في الواقع. فدليل الاستصحاب يدل على حرمة نقض اليقين بغير اليقين. وهذا بيان من المولى. فقد قال المولى: لا تنقض يقينك السابق بغير اليقين. وأنا الآن شاك، غير أن لدي يقيناً سابقاً، فالمولى نفسه قد كلفني بالأخذ باليقين السابق في مثل هذه الموارد. فهذا إذن بيان في حقيقته. ولذا، يزول موضوع قبح العقاب بلا بيان. فبمقتضى قبح العقاب بلا بيان، لو انتفى البيان فقبيح العقاب. والاستصحاب يقول: أنا بيان. إذن، فينتفي موضوع العقاب بلا بيان. وهذا بمنزلة الورود؛ إذ يزيل موضوعه.
أو يمكن القول إنه يُقدم من باب الحكومة؛ لأنه يعرّف مفاد الاستصحاب ومضمونه بوصفه بياناً؛ أي كأنه يضيّق دائرة عدم البيان. وهذا هو شأن الحكومة. فـ «لا تنقض اليقين بالشك» يُعد مفسراً وناظراً حيال «قبح العقاب بلا بيان». فيتصرف في موضوع دليل البراءة العقلية ويضيّق دائرته. فـ «قبح العقاب بلا بيان» يقرر أن العقاب في المورد الذي ينتفي فيه البيان قبيح، ولكن بما أن الشارع نفسه قد قال: «لا تنقض اليقين السابق بغير اليقين»، فكأن هذا لم يعد من مصاديق عدم البيان، بل هو بيان في حد ذاته. ومن هنا قيل إن الاستصحاب وارد على البراءة العقلية أو حاكم عليها.
ونشير هاهنا إلى أن الحديث الآن يدور حول تقدم الأصول العملية الشرعية على الأصول العملية العقلية. فالبراءة الشرعية أصل شرعي في حد ذاتها، والاستصحاب أصل شرعي آخر؛ غير أن الاستصحاب من الأصول المحرزة، والبراءة من الأصول غير المحرزة. وسندرس هذا الموضوع في الجهة الثانية لنرى هل تتقدم الأصول المحرزة على الأصول غير المحرزة (وكلاهما من الأصول الشرعية) أم لا؟
إذن، فالأصول الشرعية تتقدم على الأصول العقلية. وحتى الأصول الشرعية غير المحرزة تتقدم على الأصول العقلية. فهذا التقدم لا يقتصر على الأصول الشرعية المحرزة، بل كافة الأصول الشرعية -سواء كانت محرزة أم غير محرزة- تتقدم على الأصول العقلية. وقد بيّنت وجه هذا التقدم. فلدينا البراءة العقلية والتخيير العقلي. ففي التزاحم بين الوجوب والحرمة، لدينا تخيير عقلي. ففي أي مورد يكون فيه حكم العقل وأمكن جريان أصل عملي عقلي، وقابله أصل عملي شرعي (سواء كان محرزاً أم غير محرز)، فالأصل العملي الشرعي يُقدم هاهنا قطعاً.