The news is by your side.

الدرس الثاني والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الثاني والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثاني: الورود – التقريب الثالث – مقدمة – توضيح المطلب

21 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دار البحث حول ملاك تقديم الأمارات على الأصول العملية. وبيّنّا أن القول الثاني في هذا المورد هو مسلك “الورود”؛ ومفاده ورود الأمارات على الأصول العملية بالاصطلاح. غير أننا لو أردنا صياغة كيفية النظارة والورود هاهنا لظهرت لنا وجوه وتقارير متعددة بالصناعة.

وقد عرض المحقق النائيني (قدس سره) ثلاثة تقارير لتبيين الورود الأصولي؛ ونقلنا في الجلسات السابقة التقريبين الأول والثاني، وأوضحنا ما يتوجه إليهما من مناقشات وإيرادات بالتمام. وحاصل منشأ این الاختلاف والتباين يرجع في جوهره وعمقه إلى أمرين:

أحدهما: اشتمال غاية دليل الأصول العملية على الغاية باللفظ والصياغة، بخلاف أدلة الأمارات التي تفتقر لتأسيس الغاية بالكلية.

والآخر: تساؤل علمي يدور حول متعلق العلم واليقين المأخوذ غاية في أدلة الأصول؛ كقولهم مثلاً: «كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ» (كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ)؛ فإلى أي شيء يتوجه هذا التعليق والربط بالدقة؟

وهذان الأمران هما ركيزة الاختلاف ومنشأ التباين والآراء؛ فمن الأصوليين من صار بمقتضاها للقول بالورود، ومنهم من صار للقول بالحكومة؛ بل إن القائلين بالورود أنفسهم قد تفرعت مسالكهم في كيفية تصوير الورود وتقريبه على شتى الوجوه والصور المذكورة.

ففي التقريب الأول، حُمل العلم واليقين (اللذان يمثلان غاية اعتبار الأصل العملي) على معنى الحجة والاعتبار، وقُوبل الشك باللا حجة؛ وقد أوردنا تفصيل الإشكال والخدشة على هذا التقريب.

وأما في التقريب الثاني، فلم يقع التصرف في دلالة لفظ العلم واليقين ذاته، بل اتجه التصرف لمتعلقه عينه وهو “الحرمة”؛ حيث حُملت الحرمة على معنى أعم يستوعب الحرام الواقعي والحرام الظاهري بالتمام. وبيّنّا أن التقريب الأول يرتكز على تصرف أصولي واحد، بينما يبتني التقريب الثاني على تصرفين اثنين؛ كما أخضعنا التقريب الثاني ومقوماته للبحث والموازنة بالكامل.

التقريب الثالث

يمثل هذا التقريب في نظر المحقق النائيني الأرجح والأحسن والأقرب للواقع مما يمكن صياغته وتقريبه في تبيين ورود الأمارات على الأصول العملية بالتمام («أحسن ما يقال في المقام»). فما هو حقيقة هذا التقريب وكيف يصار إليه؟ وهل يسلم بدوره من النقود والإيرادات الأصولية؟ فلو بطل هذا التقريب وفسد، لتعذر القول بالورود وتعين الذهاب لمسلك الحكومة بالاصطلاح بالضرورة. وتجدر الإشارة هاهنا تبركاً إلى أن للمحقق العراقي تقريباً آخر مغايراً للورود سنعرض له ونشير إليه إن اتسع وقت البحث بمشيئة الله.

ومفاد التقريب الثالث أن الغاية المأخوذة في أدلة الأصول العملية -کالعلم واليقين في قوله: «كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ» (كُلُّ شَيْءٍ لَکَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ)، وكذا في قوله: «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ بَلْ انْقُضْهُ بِيقِينٍ آخَرَ»- تحمل لغةً وعرفاً على معنى “الإحراز والكاشفية”؛ وبعبارة أخرى، الدليل المحرز والدليل الكاشف بالنيابة. وبناءً على هذا الحمل، يؤول معنى دليل البراءة وأصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ») إلى تقرير: كل شيء حلال في حق المكلف حتى يحرز حرمته بالدليل. ويؤول معنى دليل الاستصحاب في قوله: «لَا تَنْقُضِ الْيَقِينَ بِالشَّكِّ بَلْ انْقُضْهُ بِيقِينٍ آخَرَ» إلى تقرير: لا تهدم يقينك بالشك والتردد بل انقضه بدليل محرز وكاشف معتبر بالتمام. فالغاية الموصوفة بالعلم واليقين في أدلة الأصول تُفسر بالدليل المحرز والكاشف، أو بعبارة أخرى بالإحراز والكاشفية بالتبع.

والآن نتساءل: كيف يستقيم هذا التقريب لتبيين ورود الأمارات على الأصول العملية؟ تقضي حقيقة الورود بالاصطلاح بزوال موضوع الدليل المورود وارتفاعه فور قيام الدليل الوارد، غير أن هذا الارتفاع يقع بالعناية والتعبد الشرعي بالذات؛ فالدليل الوارد يتكفل بإزاحة الدليل الآخر وإبطال موضوعه تعبداً وإنشاءً. ويتعين علينا الوقوف بدقة على كيفية ترتب زوال موضوع الأصول العملية وارتفاعه بمجرد وضع قيد “الإحراز” بديلاً للقطع واليقين في أدلة الأصول بالتمام؛ ليتسنى لنا تبيين المطلب فقهياً وصناعياً.

ولأجل توضيح هذا المطلب وجلائه بالدقة، سنمهد للبحث بذكر مقدمة موجزة ومختصرة في أقسام القطع وتفريعاته الأصولية:

مقدمة

المطلب الأول: بيّنّا سابقاً انقسام القطع بدئاً إلى قسمين متباينين: القطع الموضوعي والقطع الطريقي. وينقسم القطع الموضوعي بدوره إلى قسمين مستقلين: القطع الموضوعي على وجه الصفتية، والقطع الموضوعي على وجه الطريقية بالاصطلاح.

والفارق الذاتي الفاصل بين القطع الموضوعي والقطع الطريقي واضح جلي؛ فمتى ما أُخذ القطع واليقين جزءاً وركناً في موضوع الحكم ورتب ثبوت الحكم عليه، عُدّ قطعاً موضوعياً بالاصطلاح؛ ومعناه تقييد ترتب الحكم وثبوته بالقطع بالكامل سواء أكان تمام الموضوع أم جزءاً منه بالدقة. ومثاله: «اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فتجِب علیک صلاة الجمعة» أو «إذا قطعته». وتارة أخرى يتصف القطع بالصفة الطريقية المحضة؛ ومقتضاه انتفاء كونه جزءاً من موضوع الدليل، بل يقتصر على كونه طريقاً كاشفاً وسبيلاً موصلاً للواقع بالتبع.

وينقسم القطع الموضوعي بدوره إلى قسمين:

  1. القطع الموضوعي على وجه الصفتية: ويراد به أخذ القطع قيداً وركناً في موضوع الحكم بما هو صفت من الصفات النفسانية القائمة بوجدان المكلف بالذات. ومثاله الفقهي: ما لو قرر الدليل ترتب حكم وتثبيته بفرض حصول اليقين والقطع الوجداني المستقر في خلجات نفس المكلف بالذات؛ فحصول هذا الحكم ورتبته تدور بالتبع مدار تحقق تلك الحالة والصفة النفسانية بوجدان المكلف؛ لكون اليقين والظن والشك والوهم حالات وتفريعات نفسانية تتوارد على الوجدان وتتعاقب؛ ومن ثم يتقيد ثبوت الحكم بتحقق صفة اليقين في النفس بالتمام.

  2. القطع الموضوعي على وجه الطريقية: ويراد به أخذ القطع قيداً وركناً في موضوع الحكم بالدقة، ولكن لا بما هو صفت وحالة نفسية قائمة بوجدان المكلف، بل لكونه طريقاً كاشفاً وسبيلاً موصلاً للواقع يتسم بصفة الكاشفية التامة بالذات؛ وحينئذٍ متى ما حصل القطع تحقق الكشف وثبت الحكم بالتبعية، وبغض النظر عن عروض تلك الحالة والصفة النفسانية لخلجات وجدان المكلف بالذات؛ وينطوي هذا المطلب على تفصيلات ودقائق فقهية نضرب صفحاً عنها هاهنا.

المطلب الثاني: يستقر البحث الأصولي بالعموم والاطراد في باب تعيين صلاحية الأمارات والأصول للقيام مقام القطع الموضوعي والنيابة عنه بالتمام؛ وحيث يحظى القطع بدراسات وتفصيلات بأقسامه المختلفة؛ يقع الخلاف والنزاع الأصولي في قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي ونيابتها عنه؛ فيذهب فريق من الأصوليين للمنع المطلق لنيابتها عن القطع الموضوعي بالكامل؛ بينما يذهب فريق ثانٍ للتفصيل والتمييز؛ فيرتضون قيام الأمارة مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية الكاشفة بالنيابة، ويمنعون بالكلية من قيامها مقام القطع الموضوعي على وجه الصفتية بالتبع.

توضيح المطلب

والآن وبعد جلاء هذه المقدمة وتبيين ركائزها العلمية، يقرر المحقق النائيني: أنه متى ما أُخذ القطع قيداً في موضوع الدليل، لا بما هو صفت وحالة نفسانية قائمة بالوجدان، بل لكونه طريقاً كاشفاً وموصلاً للواقع بالذات؛ استقام لنا تنحية هذا القطع المأخوذ في موضوع دليل الأصل والعدول عنه، لنضع بديلاً ونائباً عنه لفظ “الإحراز والكاشفية”؛ فكأن الشارع يقرر في دليل وجوب صلاة الجمعة بعبارته: «اذا قطعت بوجوب صلاة الجمعة فَتجب علیک»؛ فنقوم بتجريد قوله: «إذا قطعته» ونضع مكانه بالتعبد: «اذا احرز لک وجوب صلاة الجمعة فَتجب» أو «اذا کشف لَکَ وجوب صلاة الجمعة فَتجب علیک»؛ فنضع الإحراز والكاشفية بديلاً عنه بالنيابة.

ويضيف النائيني: بما أن الشارع قد اعتبر الأمارات طرقاً كاشفة ومحرزة للواقع بالتعمل والتنزيل؛ فيثبت بالتبع قيام الأمارة والأصل العملي (والمقصود الأصل العملي المحرز كالاستصحاب بوجه خاص) مقام القطع الموضوعي على وجه الطريقية بالنيابة بالتمام. وأما القطع الموضوعي على وجه الصفتية النفسية فجملة شأنه متباينة بالكامل؛ نظراً لكون الملاك والركيزة فيه تنحصر في عروض حالة اليقين والصفة النفسانية لخلجات وجدان المكلف حقيقةً، وهو ما يمتنع نيابة غيره عنه بالكلية؛ لافتقار ترتب الحكم لحصول صفة اليقين الوجدانية في النفس بالذات، وهو ما لا يقبل النيابة والقيام مقامه لغيره من الأدلة بالمرة.

ويخلص المحقق النائيني في كلماته إلى أنه متى ما شيدنا حجية الأمارات بالنظر لكونها أدلة محرزة للواقع تتصف بصفة الكاشفية المعتبرة؛ تسنى لنا لغةً وعقلاً وضع الإحراز والكاشفية بديلاً ونائباً عن اليقين والعلم في أدلة الأصول العملية كافة بالضرورة؛ فنصوغ دليل أصالة الحلية بعبارة: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تُحْرِزَ لَهُ حُرْمَتُهُ». وحيث يتضح تداخلنا بالتصرف في غاية الدليل ومدلولها ببركة التقريب الثالث، نلتفت لكون هذا التصرف يباين بالكامل تصرفنا المصور في التقريب الأول؛ فبينما حملنا في الأول لفظ «تَعْلَمَ» على معنى الحجة والشك على اللا حجة؛ نقوم في التقريب الثالث بحمل لفظ «تَعْلَمَ» على معنى الإحراز بالتبعية؛ ومؤداه: كل شيء حلال في حق المكلف حتى يحرز حرمته بالدليل.

فمتى ما حملنا العلم واليقين على معنى الإحراز بالتبادر، وفسرنا لغة الغاية بصفة الإحراز والكاشفية المعتبرة؛ غدا كل دليل يتصف بهذه الصفة ويتوفر فيه قيد الإحراز والكاشفية بالنيابة غايةً حقيقية ترفع تعبد الأصل العملي وتزيله بالضرورة؛ وحيث تتصف الأمارة بهذه الصفة وتتميز بها وجداناً؛ ترتفع نوبة الأصل العملي ويزول موضوعه فور قيام الأمارة وحضورها بالتمام؛ لكون أصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ» (كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ)) تتقيد بغاية؛ وهي انتفاء قيام دليل محرز على الخلاف في المورد؛ والخبر الواحد أمارة محرزة بالذات؛ ومن ثم يرتفع موضوع دليل الأصل ويزول تلقائياً بالتبع فور قيام الأمارة المعتبرة. وهذا هو جوهر الورود وحقيقته بالاصطلاح؛ فبأي كنه نعرّف الورود؟ أليس الورود يؤول بالتبع لزوال موضوع الدليل المورود وزواله ببركة قيام الدليل الوارد تعبداً؟ وهنا يزول موضوع الأصل العملي ويرتفع فور قيام خبر الواحد المعتبر على الخلاف بالدقة والوجدان.

وحين يستقر خبر الواحد المعتبر كاشفاً عن الواقع ومحرزاً له على خلاف مؤدى الأصل، فإنه يثبت الحكم الواقعي تعبداً ويفيد إحرازه بالتمام. والإحراز هو الغاية الفاصلة والمنتهى الحقيقي لجريان الأصل العملي؛ فمتى ما حصل الإحراز والدليل المحرز في ساحة الاستنباط، زال موضوع الأصل العملي وارتفع بالكامل بالتبع. وبذلك يثبت ورود الأمارات على الأصول العملية قاطبة بالبيان المذكور.

ويرتب المحقق النائيني على قبول صفة الإحراز غايةً للأصول العملية أثراً مستجداً؛ ومقتضاه ثبوت ورود بعض الأصول العملية على بعضها الآخر بالتبعية؛ كاستصحاب الطهارة بالنظر لأصل البراءة؛ نظراً لكون الاستصحاب يصنف حقيقةً أصلاً محرزاً بالاصطلاح، بخلاف البراءة التي تخلو من صفة الإحراز بالكامل؛ فبوقوع الأصل المحرز في المورد يزول موضوع الأصل غير المحرز ويرتفع بالتبع بالضرورة.

وهذا كله يقع ببركة الجعل التعبدي والإنشاء الصادر عن الشارع بالذات؛ حيث يوفر الشروط والشرائط المقتضية لانتفاء موضوع الدليل المورود وزواله بالتبع؛ فيثبت ورود الدليل عليه بالضرورة.

فالنتيجة تؤول إلى أمرين مهمين:

أولاً: ثبوت ورود الأمارات على الأصول العملية قاطبة بالبيان المذكور.

ثانياً: ثبوت تقدم الأصول المحرزه كالاستصحاب على الأصول غير المحرزة كالبراءة وورودها عليها بالتبع.

وهذا هو خلاصة وتحصيل التقريب الثالث للورود الأصولي.

السؤال: لازمه فرمایش ایشان که قطع موضوعی طریقی است این نیست که حتی تعلم به معنای حتی تحرز باشد؛ ایشان می‎گوید حتی تعلم به معنای حتی تقطع است، منتهی چون قطع در لسان روایات به عنوان طریق بیان شده است امارات نیز می توانند جانشین قطع شوند.

الأستاذ: يمتنع حمل العلم واليقين على معنى الإحراز لغةً وعرفاً دون مسوغ وقرينة واضحة؛ وقد أورد النائيني نفسه هذا الإشكال وصرح بكونه خلاف الظاهر والتبادر لغةً وعرفاً بالوجدان… وتساؤلنا: ما هو وجه حمل «تَعْلَمَ» على معنى تحرز وتصنيفه غاية؟… إن هذا التبيين يقع حقيقة في حيز التفسير والتقريب؛ فبأي مسوغ يُحمل قيد «تَعْلَمَ» غاية في الأصول على معنى الإحراز والكاشفية بالصناعة اللفظية؟… إن كلامكم هذا يرجع بالدقة إلى القول ببقاء العلم واليقين على حقيقتهما التكوينية، مع حصول النيابة والقيام مقامهما للأمارة بالتبع… ومتى ما جرى القول بتبدل دلالة لفظ «تَعْلَمَ» وتغير دلالته ليفيد معنى الإحراز بالتبع، لزم من ذلك خروج اللفظ عن حقيقته وموضوعه المتبادر بلا ريب… ومآله كذلك بالضرورة…

ونحن ننقل في المقام ما أفاده المحقق النائيني في تبيين أصل الاستصحاب؛ حيث يراه أصلاً محرزاً بالاصطلاح، ومن ثم يقرر تقدمه على سائر الأصول العملية غير المحرزة ووروده عليها بالتبع والملاك المذكور عينه… وثمة تفصيل وفارق علمي دقيق صاغه النائيني بين الأصل المحرز والدليل المحرز بالوساطة. ويتعين علينا لاحقاً دراسة مدى تمامية هذا التقسيم وصحة صياغة الأصول إلى محرزة وغير محرزة من عدمها.