The news is by your side.

الدرس الحادي والعشرون، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الحادي والعشرون
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – ملاك تقديم الأمارات – القول الثاني: الورود – التقريب الثاني – نكتة – دراسة التقريب الثاني – الإشكال الأول – الإشكال الثاني – الإشكال الثالث

20 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دار البحث حول ملاك تقدم الأمارات على الأصول العملية. وبيّنّا تعدد الآراء والمسالك القائمة في المقام؛ وكان القول الأول يذهب إلى التعارض والتخصيص وقد أخضعناه للدراسة والموازنة الفقهية سابقاً. وأما القول الثاني فهو مسلك “الورود”؛ ومفاده ورود الأمارات على الأصول العملية بالاصطلاح، غير أن ملاك هذا الورود قد صِيغت لتبيينه وجوه وتقارير ثلاثة؛ وتكفلت كلمات المحقق النائيني (قدس سره) بعرض هذه التقارير الثلاثة وإيضاحها. وبطبيعة الحال، يذهب النائيني لترجيح التقريب الثالث ورؤية كونه الأليق والأكثر انطباقاً من بينها. وقد عرضنا في الجلسة السابقة لنقل التقريب الأول ودراسته بالتفصيل.

كما عرضنا للتقريب الثاني إجمالاً؛ وهو تقريب تبناه وصاغه المحقق العراقي أيضاً. وقبل الشروع في تبيين تفاصيل هذا التقريب، يجدر بنا التنبيه لنكتة مهمة تُعين على فهم الفروق الفاصلة بين هذه التقارير الثلاثة بدقة، وتوضح كنه الورود في هذا المقام بالتمام.

نكتة

وتتمثل النكتة في أن منشأ وجذر الاختلاف العلمي القائم في ملاك تقدم الأمارات على الأصول العملية يرجع بالدقة إلى المطلب الذي سنشير إليه هاهنا.

فنحن نواجه في المقام طائفتين من الأدلة: 1. الأدلة المتكفلة بحجية الأمارات واعتبارها؛ 2. الأدلة المتكفلة باعتبار الأصول العملية وحجيتها.

وتنطوي هاتان الطائفتان من الأدلة على وجوه تباين تكتسي أهمية بالغة:

الوجه الأول: اشتمال أدلة الأصول العملية قاطبة على “الغاية” باللفظ والصياغة، بخلاف أدلة الأمارات التي تفتقر في صياغتها لذكر الغاية بالكلية. وإنما قلنا بغالب أدلة الأصول؛ لكون بعض الأصول قد يخلو لسان دليله من ذكر الغاية تارة، غير أن الغالب والشائع هو تقييد الأصل بالغاية بالصناعة؛ فالأصول العملية أدلة مغياة بغاية بالاصطلاح الأصولي. والغاية المذكورة في أدلة الأصول تنحصر نوعاً في قيد “العلم واليقين”؛ كقولهم مثلاً: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» (كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ) أو «انْقُضْ بِيقِينٍ آخَرَ». ومن هنا، وقع الخلاف والنزاع الأصولي العريض في كنه المراد بالعلم واليقين في نصوص الباب وتوجيهه.

الوجه الثاني: تساؤل علمي يدور حول متعلق العلم واليقين في الروايات؛ وهو مبحث ينطوي على دقة أثرية؛ ففي دليل البراءة مثلاً ورد قوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ»؛ فحصل تقييد متعلق العلم بـ “الحرمة”؛ وهنا يبرز الخلاف الأصولي في كون المراد بالحرمة المذكورة هو الحرمة الواقعية حقيقةً، أم يراد بها معنى أعم يستوعب الحرمة الواقعية والظاهرية على السواء؟ وهو نزاع ولد وجوهاً وآراء متعددة في الباب.

ففي التقريب الأول للورود، حُمل العلم واليقين المأخوذان غاية في أدلة الأصول على معنى الحجة والدليل بالتمام، وقُوبل الشك باللا حجة؛ دون أن يتطرق التصرف لمدلول لفظ الحرمة ومتعلقها بالمرة.

وأما في التقريب الثاني، فلا نصير لحمل العلم على الحجة واللا حجة بل نبقيه على ظاهره وحقيقته اللغوية. فقوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» يقرر وجوب حصول العلم بالحكم؛ غير أن هذا الحكم المفهوم يتسع ليشمل الحكم الواقعي والحكم الظاهري على السواء؛ لكون الحكم الظاهري يستند بدوره لركيزة ودليل يقيني قطعي يوجب اعتباره. ومثاله ما نقرره في باب الظنون الخاصة؛ فمع كون الأمارات تفيد الظن في أنفسها، إلا أنها تستند لأدلة قطعية ويقينية تثبت حجيتها؛ وبذلك يحصل لنا العلم واليقين باعتبار هذه الطرق والأمارات شرعاً؛ فيكون العلم مراداً به اليقين الحاصل بقيام الطريق المعتبر، وينصرف متعلق العلم (وهو الحرام) لمعنى أعم يستوعب الحرام الواقعي والحرام الظاهري بالتمام.

السؤال: …

الأستاذ: المقصود عند القائلين بوجود الحكم الظاهري وقبوله بالاصطلاح… (وإن كنا نذهب لإنكار أصل مبدأ الحكم الظاهري بالكلية ونفي تشريع حكم يحمل الصفة الظاهرية مستقل عن الواقع) هو الحكم المستفاد من الأصل في مقابل المستفاد من الأمارة. ويبرز في المقام اصطلاح أعم يقضي بكون الحكم الظاهري هو كل حكم يُستفاد من دليل معتبر علمي كالأمارات والأصول العملية، في قبال الحكم الواقعي المستقر في علم الله عز وجل والمسجل في اللوح المحفوظ؛ فهذا هو الحكم الواقعي حقيقةً. وتختلف هذه الاصطلاحات فقهياً بحسب المباني.

السؤال: …

الأستاذ: المطلب هاهنا واضح جلي؛ فقوله: «كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ بِعَيْنِهِ» (كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ) يقرر تعليق الحلية على انكشاف الحرمة وحصول اليقين بها. فماذا يعني ذلك؟ يعني انكشاف التحريم وجداناً ببركة قيام الأمارة أو باليقين الوجداني القاطع… وفرضنا متمحور حول كون الاستصحاب محلاً للبحث. ونعم، يتقدم الاستصحاب بموجب هذا التقرير بالضرورة؛ لكونه لا يُصنف أصلاً عملياً بحسب لسان التوجيه… فالظاهر نعم، هاهنا… بل حقيقة المطلب تؤول لسماع الحكم من فم المعصوم (عليه السلام) شفاهاً ليحصل اليقين والقطع الوجداني بالواقع… وهذا الفرض يستوعب مصاديق أخرى قابلة للتصوير… ولا شأن لنا بها الآن. فالعمدة تكمن في ورود قيد «تَعْلَمَ» غاية باللفظ والصياغة في هذه الأدلة؛ وعرضنا كنه المراد بلفظ «تَعْلَمَ» ومدلول متعلقها (وهو الحرام).

وبناءً على هذا التحليل، يبتني التقريب الثاني للورود على تصرفين أصوليين؛ بخلاف التقريب الأول الحاصل ببركة تصرف واحد؛ حيث اقتصر الأول على حمل العلم على الحجة والشك على اللا حجة دون تصرف في متعلق العلم (الحرام) بالمرة. بينما يقع التصرف في التقريب الثاني في موضعين:

أحدهما: حمل لفظ “الحرام” ومتعلق العلم على معنى أعم يستوعب الحرام الواقعي والحرام الظاهري معاً؛ فلا ينحصر في الحرام الواقعي الحقيقي بل يتسع للحرام الظاهري بالتمام.

والآخر: في قوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ»؛ فحين حُمل الحرام على الأعم من الظاهري والواقعي، فهل يبقى العلم واليقين محمولين على حقيقتهما اللغوية؟ والجواب نعم؛ فالعلم واليقين يظلان على حقيقتهما التكوينية بمرتبة القطع واليقين الجازم، دون حمل أولهما على الحجة والاعتبار؛ وحيث يتسم الدليل المتكفل باعتبار الأمارات وحجيتها بالقطعية واليقين يقيناً، فإن الحكم الثابت ببركتها يؤول لكونه حكماً معلوماً للمكلف ومقطوعاً به، سواء أكان هذا الحكم حكماً واقعياً أم ظاهرياً بالتبع.

وهذا هو المطلب الذي صاغه المحققان العراقي والنائيني؛ ويتضح فارقه وتمايزه عن التقريب الأول بالكامل.

السؤال: مقتضى الصناعة يمنع من استنباط قدر جامع يجمع بين الحرام الواقعي والظاهري في حقيقة واحدة؟

الأستاذ: كلا، بل لا مانع يمنع من ذلك علمياً… فكلاهما يفيد صفة المنع والزجر… ولا يفتقر استقرار القدر الجامع لوجوده حقيقةً بالذات… وتأملوا؛ فهذه الوجوه والتقارير بأسرها تبتني على القول بالحكم الظاهري وقبوله؛ ومتى ما صرنا لمبنان المختار القائل بإنكار الحكم الظاهري بالكلية، اتخذ البحث مساراً علمياً مغايراً بالكامل… ولا عائق يمنع من تصوير القدر المشترك وصياغته فقهياً… وصحيح أن ذلك يرجع لترتيب الآثار العملية، غير أن حقيقة معنى الحرام (الأعم من الظاهري والواقعي) تتقبل صياغة قدر مشترك وجامع بينهما بالتبع.

دراسة التقريب الثاني

واجه التقريب الثاني للورود جملة من المناقشات والإشكالات الأصولية، حيث وُجهت إليه ثلاثة إيرادات متينة؛ صاغ المحقق العراقي أحدها والتزم به غيره من الأصوليين؛ بينما تكفلت كلمات المحقق النائيني ببيان الإشكالين الآخرين وعرضهما بالتفصيل؛ ونحن سنعرض لبيان هذه الإيرادات ومحاكمتها بالتتابع.

الإشكال الأول

يتطابق الإشكال الأول في جوهره مع الإشكال الوارد على التقريب الأول؛ ومفاده أن هذا الحمل المزعوم يقع على خلاف ما تقتضيه ظواهر تلك الأدلة بالتبادر بالكلية. فدعوى حمل “الحرام” ومتعلق العلم على معنى أعم يستوعب الحرام الواقعي والظاهري يقع خلاف الظاهر اللغوي والعرفي بالوجدان؛ وهو ما صرح به المحقق العراقي نفسه بعبارته: «فَإِنَّهُ خِلَافُ مَا تَقْتَضِيهِ ظَّواهِرُ تلک الادله، بَدَاهَةً ظُهُورِ دَلِیلِ الْحلیهِ وَ نَحْوِهَا فِی أَنَّ الْغَایَهَ هِیَ الْمَعْرِفَهُ بِخُصُوصِ مَا تَعَلَّقَ بِهِ الشَّکُّ وَ هُوَ الْحُکْمُ الْوَاقِعِىُّ نَفْسُ الْأَمْرِى لَا بما يعم الْحُکْمَ الظَّاهِرِىّ فی حصول الغایه».

فالحق أن دعوى التعميم للحكم الظاهري في قوله: «حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ» تجافي الظاهر؛ نظراً لكون هذه الغاية المقيدة في لسان الدليل هي معرفة عين المورد المشكوك الذي تعلق به الشك والتردد بالذات. والتساؤل المطروح: ما هو المورد الذي تعلق به شك المكلف وتردده ابتداءً؟ هل يقع الشك في الحكم الواقعي للشيء أم في حكمه الظاهري؟ بديهي أن شك المكلف يتعلق بعين الحكم الواقعي تكويناً؛ ومن ثم يتعين أن يقع علمه ويقينه الغائي متعلقاً بذات الحكم الواقعي عينه ليحصل الكشف.

وقد بيّنا سابقاً أن ميزة أدلة الأصول وفارقها عن أدلة الأمارات تكمن في تقييد الأولى بالغاية بالصناعة اللفظية، وخلو الثانية من الغاية بالكلية. والغاية المقررة في أدلة الأصول هي العلم بحرمة الشيء؛ أي حصول العلم واليقين بعين المورد الذي اعترضه الشك والتردد بالذات؛ وهو الحكم الواقعي الحقيقي للشيء؛ فبوقوع العلم بالحكم الواقعي يرتفع حكم أصالة الحلية («كُلُّ شَيْءٍ لَكَ حَلَالٌ») ويزول؛ فالمعلق عليه زوال الأصل هو نيل العلم واليقين بالحكم الواقعي تكويناً ومعرفته في نفس الأمر؛ وأما دعوى حمل الغاية على الأعم لتشمل الحكم الظاهري فممتنعة الخروج عن الخلاف لظاهر دليل البراءة والحلية بالوجدان.

السؤال: لولا ثبوت أصالة الحلية لداهمنا الشك في الظاهر وحكمه أيضاً، فدليل «كل شيء لك حلال» لا يرتفع شكه بالنظر للواقع وحده بل يتعدى للظاهر بالتبع؛ ومن ثم يستوعب موضوعه الحكم الظاهري يقيناً؟

الأستاذ: إنما يقع كلامنا في استنباط مفاد هذا الدليل وصياغته لغةً وعرفاً…

الإشكال الثاني

دليل اصالة الحلية يقول: «کُلُّ شَیْءٍ لَکَ حَلالٌ حَتَّی تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرامٌ» (كُلُّ شَيْءٍ حَلَالٌ حَتَّى تَعْلَمَ أَنَّهُ حَرَامٌ). ثم حملوا الحرام على معنى الأعم من الحرام الواقعي والحرام الظاهري بالتبعية. والتساؤل المطروح: ما هي الغاية الحقيقية المأخوذة في الدليل هاهنا؟ نحن لا شأن لنا بكنه الحرام الواقعي والظاهري من زاوية واحدة بالذات؛ بل الفرض مستقر على حصول العلم واليقين بالحكم الظاهري وجداناً لدى المكلف؛ غير أن النزاع يقع في حدود اعتباره وحجيته الشرعية. فنحن على علم ويقين تام بوجوب ترتيب الأثر بمقتضى الأمارة وثبوت الحجية لها؛ ولكن هل وقع العلم باعتبار الأمارة وحجيتها غايةً مقيدة في أدلة الأصول العملية بالصناعة اللفظية؟ فلو ورد العلم بحجية الأمارة واعتبارها غاية أصولية في أدلة البراءة والحلية، لاستقام القول بحمل الحرام على معنى الحجية والاعتبار يقيناً؛ غير أن السبر والتدقيق يثبت انتفاء أخذ العلم بالحجية غاية في الأصول العملية بالكلية؛ بل إن الغاية المقررة لرفع الأصل والعمل بخلافه هي العلم بخلاف مضمون الأصل ومؤداه بالذات؛ فمتى ما حصل العلم بالخلاف ارتفع تعبد الأصل وزال تلقائياً بالتبع.

والتساؤل: هل يكفي حصول العلم بخلاف مؤدى الأصل لثبوت الورود بالتقريب المذكور؟ والجواب بالنفي؛ لكون التأسيس الحقيقي للورود يفتقر لتوفر العلم والقطع باعتبار الأمارة وحجيتها بالذات؛ وهو أمر يغاير بالكامل حقيقة الغاية المأخوذة في أدلة الأصول.

وعليه، يتلخص الإشكال الثاني في مباينة الغاية المأخوذة لغةً في الأصول العملية لما قررتموه وحللتموه ببيانكم؛ فهذه الغاية تأبى الانسجام والتطابق مع تقريبكم المذكور بالضرورة.

الإشكال الثالث

ويتمثل الإشكال الثالث -الذي نبّه إليه المحقق النائيني في كلماته- في أنه لو سلمنا بحصول العلم واليقين باعتبار الأمارة وحجيتها، فإن ذات العلم واليقين بالاعتبار والحجية ثابت ومستقر في باب الأصول العملية بالتمام؛ فما هو وجه التفرقة والتمايز بين البابين إذن؟ فاليقين بالاعتبار والحجية وصلاحية تنجيز الواقع حاصل في الأصول والأمارات على السواء دون تمايز يُذكر بينهما هاهنا.

السؤال: …

الأستاذ: إنما نروم تبيين جريان الأمر في الأصول العملية عينه دون تمايز وافتراق؛ فلا وجه للتفرقة بينهما من هذه الجهة بالذات. وعليه، يسقط هذا الفارق بوصفه دليلاً وملاكاً لتقديم الأمارة على الأصل أو ورودها عليه بالتقريب المذكور… وهذا إشكال آخر مغاير سنعرض له. ويتلخص الإشكال الثالث في إبطال التمايز الذي حاولتم تشييده بين الأصل والأمارة من هذه الجهة؛ لكونها جهة مشتركة ثابتة في كليْهما على السواء بالدقة والوجدان… ونحن نخضع المسألة للموازنة والمقارنة بين البابين بالضرورة، ولا ندرس شأن كل منهما مستقلاً بالكامل.