The news is by your side.

الدرس الرابع عشر، المقدمات، المقدمة التاسعة

الدرس الرابع عشر
المقدمات – المقدمة التاسعة: تقدم الأمارات على الأصول العملية – مواصلة دراسة الإشكال في تقدم الأمارة على الاستصحاب – شرح رسالة الحقوق – المناجاة الحسنة والطلب بتمام الوجود

9 ربيع الآخر 1447 هـ

خلاصة الجلسة السابقة

دار البحث حول تقدم الأمارات على الأصول العملية. والمعروف أن تقدم الأمارات على الأصول هو محل اتفاق وتسالم بين الأصوليين دون خلاف يُذكر، وإنما وقع الخلاف والبحث في وجه تقديم الأمارة على الأصل. وبيّنّا في الجلسة السابقة أنه قد طُرح إشكال وتساؤل في تقدم الأمارة على الاستصحاب بالخصوص، ويتعين علينا معالجته والتحقيق فيه.

ومفاد الإشكال أنه إذا كان المقصود باليقين في نصوص «لا تنقض اليقين بالشك» هو اليقين الوجداني، فلن يتأتى لنا تقديم الأمارة على الاستصحاب؛ نظراً لكون الأمارة لا تفيد يقيناً حقيقياً ووجدانياً، ومن ثم يمتنع تقدمها عليه، ليقعا في التعارض والتنافي؛ في حين تطبق الكلمة على تقدم الأمارة على الاستصحاب.

وقد ذهب الإمام الخميني (قدس سره) بالاستناد إلى بعض الروايات -ومنها الصحاح الثلاثة لزرارة- إلى أن اليقين في نصوص “لا تنقض” يراد به الحجة، لا تلك الحالة النفسية المقابلة للظن والشك، ويراد بالشك انتفاء الحجة (لا حجة). فكأن لسان روايات الاستصحاب يقرر: لا تنقضوا الحجة باللا حجة أبداً، بل انقضوا الحجة بحجة أخرى.

وقد جرت بالأمس مباحثات وأُثيرت عدة إشكاليات وأسئلة حول هذا التقريب، وأشكلنا بالخصوص على الاستشهاد بالصحاح الثلاثة لزرارة؛ ونرى أن الإجابة والوجه الذي عرضناه بالأمس يقع موقع الإشكال والخدشة، ومن ثم نروم اليوم الدفاع عن ذلك الوجه وتثبيته.

مواصلة دراسة الإشكال في تقدم الأمارة على الاستصحاب

إن جوهر المشكلة يكمن في أنه على الرغم من أن حمل “اليقين” على معنى الحجة وحمل “الشك” على اللا حجة في روايات الاستصحاب كفيل بحل المعضلة ورفع الإشكال، إلا أن نصوص الباب تخلو من شاهد وقرينة تدعم هذا الحمل؛ فهو حمل للفظ على خلاف ظاهره دون قرينة مسوغة.

وأما إذا أردنا حمل “اليقين” على اليقين العرفی، فهذا وإن حظي بالشواهد والقرائن في الروايات، إلا أن مشكلته تكمن في عدم ملاءمته وتطابقه مع المباني والمسالك التي اخترناها وقررناها سابقاً؛ نظراً لذهابنا إلى إنكار الحكم الظاهري بالكامل، وتصريحنا بانتفاء اليقين التعبدي وتنزيله منزله العلم وجعل المؤدى. فكيف السبيل للتخلص من هذه المعضلة؟

والوجه الذي يلوح لنا في المقام هو أن الإمام (عليه السلام) في قوله: «لا تنقض اليقين بالشك» يمتنع أن يراد بكلامه خصوص اليقين الوجداني التكويني؛ نظراً لما قرره الإمام الخمینی (قدس سره) من كون حصول هذا اليقين في تفاصيل العبادات والمعاملات هو في غاية الندرة والقلة («قلَّما يتفق»). وبناءً على هذا التقريب أوردنا الإشكال بأنه يمتنع عقلاً توجه نهي الشارع وزجره عن نقض شيء يندر حصوله غاية الندرة؛ ولذا يتضح بالضرورة انتفاء إرادة هذا المعنى التكويني الحقيقي. كما يمتنع حمل اليقين على اليقين العرفي بمرتبة الاطمئنان؛ لأنه وإن طابق ظاهر الحديث بدئاً، إلا أنه لا يحل مشكلتنا ومبنان الأصولي؛ فالقول بالحمل على اليقين العرفي لا يعیننا على التخلص من المعضلة المذكورة.

وقد ذهب الإمام الخميني (قدس سره) إلى أن المقصود باليقين في المقام هو الحجة. وبناءً على هذا، يؤول معنى «لا تنقض اليقين بالشك» إلى قوله: «لا تنقض الحجة بلا حجة». ويتعين علينا تفكيك هذا التقريب وتحلیله دون الوقوف طويلاً عند لفظ “الحجة” بذاته؛ لنبین أولاً مراد الإمام (عليه السلام) في هذه الصحاح الثلاث، ومن ثم نصوغ هذا المراد في قالب الألفاظ والتعابير الواردة في النصوص.

فالإمام (عليه السلام) في مواجهة المكلف الذي توضأ وكان يرى نفسه طاهراً ثم اعتراه الشک فی بقاء طهارته، يروم تبيين ما مفاده: إنك جرياً على مسلك العقلاء وبنائهم قد أتيت بعمل مشروع ومعتبر في نفسه؛ فتوضأت، وأورثك هذا الوضوء طهارة شرعية حقيقية؛ فصرت متصفاً بالطهارة ببركة هذا الوضوء المعتبر والمشروع؛ وهو مسلك عقلائي دارج يستند إلى العمل بالدستور والتكليف الذي وافاك وبلغك؛ حيث قيل لك توضأ لتطهر، فامتثلت وتوضأت معتقداً حصول الطهارة في حقك، وهذا الطريق يوصلك إلى الواقع. فإذا اعترضك الشك بعد ذلك في بقائها، فمع حصول الشك واحتمال الخطأ، إلا أنك ترى هذا الطريق طريقاً كاشفاً عن الواقع، وتأخذ بمقتضاه. ونحن بناءً على این التقريب لا ننکر صفة الطريقیة للأمارات، ولکننا لا نذهب مذهب المحقق النائيني القائل بجعل الشارع للطريقية وتتميم الكشف؛ فلا تتميم للكشف في البين، ولا تنزيل للأمارة منزلة العلم، بل غاية ما في الأمر إمضاء الشارع لهذا المسلك والطريق العقلائي.

وإذا انتفى قيام البينة على الخلاف، يقول الإمام (عليه السلام): امضِ على ذات الطريق المورث للطهارة واستقر عليه؛ فحيث أرشدك هذا الطريق للواقع ولم يوافِك طريق آخر على خلافه، فابقَ على ذات الحالة ورتب آثارها («ابقَ على ما كان»).

وأما إذا قامت البينة على الخلاف -كأن يشهد عادلان بنقض وضوئك مثلاً- فقد انفتح أمامك طريق آخر وسبيل مستجد موصل للواقع، ويتعين عليك الأخذ بمقتضاه والإعراض عن الأول؛ نظراً لكون الطريق الأول كان يقضي باتصافك بالطهارة، وحال حصول الشك قامت البينة لتحدد وضعك الفعلي وتدعي إيصالك للواقع، فخذ بهذا الطريق المستجد.

وقد يعترض البعض بأن هذا البيان يؤول في حقيقته إلى توجيه “الحجة واللا حجة” عينه؛ والحق أنه كذلك بالفعل، غير أنه كفيل بمعالجة المعضلة وحل الإشكال؛ لأننا لما شيدنا حجية الأمارة على ركيزة أخذ العقلاء بها فراراً من اختلال النظام المترتب على اشتراط اليقين الوجداني، واعتبرنا الأمارة طريقاً موصلاً للواقع أمضاه الشارع واعتبره حجة؛ تلازم هذا التأسيس مع كلام الإمام (عليه السلام).

فالإمام (عليه السلام) يشير في حقيقة الأمر إلى ذلك المسلك الجاري والدارج بين عامة العقلاء مبيناً لهم: إذا انتهى بكم مسلك عقلائي موصل للواقع إلى غاية معينة واعتبرتموها، فلا تنقضوا هذه النتيجة بمجرد عروض الشك والتردد ما لم يقم طريق معتبر آخر على خلافها. وهذا هو جوهر الاستصحاب وصياغته في نصوص «لا تنقض اليقين بالشك»؛ أي لا تهدموا الطريق المعتبر الموصل للواقع بمجرد طروء الشك والتردد، إلا أن يوافيكم طريق معتبر آخر…

السؤال: …

الأستاذ: كلا، فالأصل في اليقين السابق لا يمتد ليشمل هذا الفرض. ونعم، يستقيم هذا بأصالة الطهارة… ولكن البحث الحقيقي يدور حول مدى صلاحية الاستصحاب لإثبات مؤدى استصحاب آخر في طوله؛ كأن نثبت الطهارة بالاستصحاب أولاً، ثم نشك لاحقاً في بقاء هذه الطهارة المستصحبة، فهل يسوغ لنا استصحابها ثانية؟… والحق أن لفظ اليقين يحمل على معناه المتبادر الحقيقي؛ ومن ثم يمتنع شموله لغير اليقين الوجداني والواقعي بالمعنى الحقيقي للکلمة. وهذا مبحث سنعالج تفاصيله في كتاب الاستصحاب بمشيئة الله تعالى.

ويمثل هذا الإشكال عقبة بالغة الأهمية في وجه دعوى تقدم الأمارات على الاستصحاب؛ فبالنظر إلى المعضلات المذكورة، نتردد بين الالتزام بامتناع تقدم الأمارة على الاستصحاب ووقوع التعارض والتماثل بينهما بالكامل، بینی وبین ارتكاب خلاف الظاهر اللغوي دون قرينة واضحة تدعمه؛ والالتزام بالتقدم رغماً عن هذه الخدشات يفتقر إلى ركيزة صناعية متينة. وعليه، فإن دعوى إطباق الكلمة على التقدم بناءً على المباني المشهورة تسير بلا عائق؛ غیر أنها تصطدم بهذه العقبات بناءً على مبنانا المختار. ويتعين علينا التماس مخرج صناعي متین لحل این الإشكال، وهو ما أدعوكم للتأمل فيه ودراسته بدقة.

شرح رسالة الحقوق

المناجاة الحسنة والطلب بتمام الوجود

المقطع الأخير من هذا المقطع لرسالة الحقوق للإمام السجاد (عليه السلام) هو قوله: «وَحُسْنُ المُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِكَ الَّتِي أَحَاطَتْ بِهَا خَطِيئَتُكَ وَاسْتَهْلَكَتْهَا ذُنُوبُكَ، وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ». فيبين الإمام وجوب المناجاة الحسنة والراز والنبأ مع الله تبارك وتعالى في خلجات النفس حال الصلاة، والتوجه إليه بالمسألة والطلب لفكاك رقبتك وخلاص جانك؛ تلك الرقبة التي أحاطت بها الخطايا والآثام واستهلكتها الذنوب لتوبقها وتوردها المهالك. وينطوي هذا المقطع الأخير على دلالة وعبرة بالغة الأهمية.

وقد لخصنا فيما مضى مقاصد هذا الفراز للإمام السجاد في ثلاثة مطالب:

المطلب الأول: بيانه لحقين أصيلين للصلاة؛ وهما قوله: «أَنَّهَا وِفَادَةٌ إِلَى اللَّهِ» و«أَنَّكَ قائمٌ بِهَا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ». فهذان حقان للصلاة؛ أولهما: معرفة كنه الصلاة بوصفها مركباً تسير به نحو الله تبارك وتعالى وبوابة كبرى تفتح لك سبيل الدخول إلى الساحة الإلهية وعتباتها المقدسة. وثانيهما: إدراك وقوفك بالصلاة بين يدي الله عز وجل؛ فالصلاة مطية تسير بك نحو تلك العتبات الشامخة، ويتعين عليك الالتفات بدقة إلى مهابة مَن تقف بصلاتك بين يديه وعظمته وجلاله.

المطلب الثاني: أنه بعد وقوفك على حقيقة الصلاة وجلال الموقف بين يدی الباری جل وعلا، يتعين عليك الإتیان بأمرین: 1. الخضوع والخشوع القلبي (الجوانحي). 2. الخضوع والخشوع العملي والبدني (الجوارحي) الذي عرضنا لتفاصيله ومقوماته؛ أي استيعاب الخشوع لظاهرك وباطنك معاً على النمط الذي بيّناه.

المطلب الثالث: وهو مطلب مستجد يفترق عن الخضوع والخشوع المذكورين، وصاغه الإمام السجاد (عليه السلام) بقوله: «وَحُسْنُ المُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِكَ».

ويُقصد به استغراق باطن المصلي وتوجهه بكليته ومن عمق وجوده نحو الخالق جل وعلا في مناجاة حارة وراز ونبأ دائم؛ «حُسْنُ المُنَاجَاةِ لَهُ فِي نَفْسِهِ»؛ والمناجاة الحسنة في النفس تلوح في الباطن والقلب؛ وإلا فإن اللسان يجري بالأذكار والأوراد المحددة الواجبة والمستحبة في الصلاة ويتعين الإتيان بها، ولكن يتعين أن تنبعث هذه الأذكار من خلجات الباطن وأعماق الروح، لتتحول الصلاة برمتها إلى مناجاة حسنة حارة تنبض بالتوجه والإخلاص؛ لتتحول المناجاة إلى مسألة وطلب دائم لفكاك الرقبة وخلاص النفس من ربقة الآثام. ويتعين حضور هذه الحالة العميقة في نفس المصلي في صلواته كافة؛ «وَالطَّلَبِ إِلَيْهِ فِي فِكَاكِ رَقَبَتِكَ»؛ بأن يستحضر المصلي حاله ويرى نفسه محاطاً بالخطايا والذنوب الموبقة المهلكة.

وكما أن البدن التكويني إذا أحاطت به العلل والأسقام تداعى بنيانه وتلاشت صحته ليدخل في حيز الهلاك والعدم، فكذلك الحال في أسقام الروح والقلب؛ فمن أحاطت به الذنوب والآثام تلاشت حياة روحه وأوبقته معاصيه لتهلكه بالكلية. ولهذا كان هذا المطلب أمراً زائداً ومستجداً يفوق مرتبة الخضوع والخشوع القلبي والبدني؛ فالخضوع والخشوع مستقران في مواضعهما المقررة (الذليل، الراغب، الراهب، الخائف، الراجي، المسكين، المتضرع، المعظم من قام بين يديه بسكون والاطراق وخشوع الأطراف ولين الجناح)؛ بأن تخضع الجوارح وتستکین الأعضاء، ویرى المصلي نفسه حقاً ذليلاً مسكيناً متضرعاً واجفاً بين يدي ربه؛ وهذه ركائز ثابتة. ولكن وراء هذه الركائز درجة أرفع تقتضي انبعاث مناجاة باطنية من أعماق القلب والروح؛ وهي خطوة شامخة للأمام؛ تبدأ باستشعار العبد لفقره وفنائه المطلق، دون أن يسقط في تيه اليأس والقنوط، بل يتشبث بالرجاء والأمل ليتصل بالمنبع اللامتناهي للوجود والفيض الإلهي العظيم. لتؤهله هذه المرتبة للولوج في مناجاة عميقة حارة مع ربه جل وعلا؛ «حُسْنُ المُنَاجَاةِ»؛ وكنه المناجاة ينبع من النجوى؛ وهي دردشة العبد العميقة وحديثه الحار ومناجاته لربه تبارك وتعالى؛ بأن يستحضر في نفسه صورة العبد الجاني الآبق الآيب لعتبات مولاه مستشعراً مهابة العقاب ووجل الذنب، وحين تتقطع به الأسباب وينتفي رجاؤه من غير ربه، ينحصر وجوده كله في مسألة واحدة وطلب حار لفكاك رقبته وخلاصه من هذه الهلكة؛ «أنْ يُنْقِذَ نَفْسَهُ مِنَ الْهَلَاكَةِ». ليجمع في صلاته بين المناجاة العميقة والطلب الحار المنبعث من شغاف قلبه لربه عز وجل. وهذا هو المطلب الثالث الشامخ الذي ينبهنا إليه الإمام السجاد (عليه السلام).

وحيث إن نيل هذه المراتب والوصول إلى كنهها ليس بالمرتبة السهلة الميسرة، يذيل الإمام كلامه بقوله: «وَلَا قُوَّةَ إِلَّا بِاللهِ». فلا سبيل لتحصيل هذه المقامات الرفيعة والوفاء بحق الصلاة العظيم إلا بالمدد الإلهي والمعونة والتوفيق والفيض الصادر منه سبحانه وتعالى. فلكي تكون صلاتنا محفوفة بالخشوع والخضوع، معمورة بالمناجاة الحسنة والطلب الحار، يتعين سؤاله المعونة؛ فالخشوع يهيئ النفس للمناجاة؛ ولذا تمايزت المناجاة عن الخشوع والخضوع بمرتبتها وآثارها.

فهذه مطالب ثلاثة يضعها الإمام بين أيدينا بعد المعرفة والوقوف على جلال الصلاة ومهابة الموقف الإلهي العظيم، لیرسم لنا ثلاثة واجبات ومقامات عملية: أولاً: خشوع القلب وباطنه وخضوعه. ثانياً: خشوع الظاهر والبدن واستکانة الجوارح. ثالثاً: انبعاث المناجاة الحسنة والطلب الحار من خلجات الروح والوجدان بين يدي الله عز وجل؛ ولا مخرج ولا سبيل لنيل هذه المقامات إلا بالتوکل والاستعانة بالله تبارك وتعالى. وهذا هو تمام حق الصلاة.