الدرس الخامس، المقدمات، المقدمة السادسة
الدرس الخامس
المقدمات – المقدمة السادسة: مجاري الأصول العملية – كلام الشيخ الأنصاري – البيان الأول – البيان الثاني – البيان الثالث – كلام المحقق الخراساني
27 ربيع الأول 1447 هـ
المقدمة السادسة: مجاري الأصول العملية
بيّنّا في بداية البحث في الأصول العملية أنه كان يلزمنا بيان عدة مقدمات، وقد تقدمت خمس منها حتى الآن. وتختص المقدمة السادسة بمجاري الأصول العملية؛ أي الموارد والظروف التي تجري فيها هذه الأصول. وهل تخضع هذه المجاري لضابطة وقاعدة معينة أم أنها بلا ضابطة؟ وهل يسعنا تأطير الموارد التي تجري فيها الأصول العملية بصيغة قاعدة وضابطة عامة؟
لقد ذكر الشيخ الأنصاري في هذا الشأن ثلاثة بيانات، وأشكل عليه المحقق الآخوند الخراساني، ثم أشكل تلامذة المحقق الآخوند وتلامذة تلامذته بنحو ما على هذه المجاري، بل وعرض بعضهم بيانات مغايرة ومختلفة.
ونحن سنقوم هنا وبإيجاز وسرعة بشرح تلك البيانات الثلاثة التي ساقها الشيخ الأعظم في مجاري الأصول العملية، لنرى أي قاعدة وضابطة يمكننا اعتمادها لمجاري هذه الأصول.
كلام الشيخ الأنصاري
للشيخ الأنصاري بيانان في صدر “كتاب القطع” (أحدهما في متن “فرائد الأصول” والآخر في حاشيته على “الرسائل”، والتي ينسبها البعض إلى أحد تلامذته الأجلاء)، ثم أردف ببيان ثالث في مطلع بحث “البراءة”.
البيان الأول
يرى الشيخ في البيان الأول أنه عند حصول الشك في شيء ما، يمكن تصوير حالتين للمشكوک:
الحالة الأولى: أن تلاحظ فيه الحالة السابقة؛ أي إن له حالة سابقة معتبرة ومحفوظة شرعاً. وفي مثل هذا الموضع، يكون المجرى مجرى “الاستصحاب”. ومثاله: أن يتيقن المكلف بأنه كان على طهارة في الصباح، ثم يشك لاحقاً في بقائها؛ فهنا يستصحب الطهارة؛ أي يستصحب ذلك الأمر المشكوك الذي له حالة سابقة. وقد قال الشارع: «لا تنقض اليقين بالشك»، وعليه فهذا مجرى الاستصحاب وتُستصحب فيه الحالة السابقة.
الحالة الثانية: ألا تلاحظ في الشيء المشكوك حالة سابقة، أو أن تكون له حالة سابقة ولكن الشارع لم يعتد بها ولم يعتبرها.
أما فرض عدم وجود حالة سابقة، فمثاله: الشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال بعد الفحص والبحث واليأس من العثور على دليل. وأما فرض وجود حالة سابقة لم يعتبرها الشارع، فمثاله: الشك في المقتضي؛ كما لو شك أحد المتعاقدين بعد انقضاء مجلس العقد في بقاء خيار الغبن وثبوته؛ فهنا على الرغم من وجود حالة سابقة، إلا أن الشك يدور حول ما إذا كان خيار الغبن الثابت آنذاك قابلاً للبقاء ولديه مقتضٍ للاستمرار إلى هذا الوقت وخارج مجلس العقد أم لا؟ فالظرف هنا ذو حالة سابقة، غير أنها من سنخ الشك في المقتضي الذي لا يرى الشارع اعتباراً للحالة السابقة فيه.
وفي هذا الفرض -أي عندما لا تكون للمشكوک حالة سابقة، أو تكون له حالة سابقة غير معتبرة- يصورون حالتين: تارة يمكن الاحتياط فيه، وتارة أخرى يتعذر الاحتياط. وإذا كان الاحتياط ممكناً، فينقسم بدوره إلى حالتين:
تارة يكون الشك في التكليف، وهو مجرى “البراءة”. ومثاله: الشك في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال؛ فأولاً: لا حالة سابقة له، وثانياً: الاحتياط فيه ممكن، وثالثاً: هو من موارد الشك في التكليف، فتجري فيه البراءة. وتارة أخرى يكون الشك في المكلف به، وهو مجرى “الاحتياط”. ومثاله: الشك في يوم الجمعة بين وجوب صلاة الجمعة أو صلاة الظهر؛ فالاحتياط هنا ممكن بإقامة الصلاتين معاً.
أما إذا تعذر الاحتياط، فهذا هو مجرى “التخيير”.
السؤال: يقرر البيان الأول أنه إذا لم تكن هناك حالة سابقة وتعذر الاحتياط، ثبت التخيير؟
الأستاذ: لقد بيّن في البيان الأول أنه إما أن تلاحظ الحالة السابقة في الشيء أو لا تلاحظ. فإن لاحظها فهو مجرى الاستصحاب، وإن لم يلاحظها فإما أن يتعذر الاحتياط فيه أو يمكن. وإذا أمكن الاحتياط، فله صورتان: إما أن يكون الشك في التكليف وإما أن يكون في المكلف به؛ فإن كان الشك في التكليف فالبراءة، وإن كان الشك في المكلف به فالاحتياط. وإن تعذر الاحتياط فالتخيير. فمصب كلامنا هو أنه في حال عدم وجود حالة سابقة أو عدم اعتبارها، فإما أن يمكن الاحتياط وإما أن يتعذر، وإذا أمكن فله صورتان، وإذا تعذر فالتخيير.
وقد أُثيرت عدة إشكالات حول هذا البيان، بل وأشكل الشيخ نفسه عليه، ولعل هذه الإشكالات هي التي دفعته في مطلع بحث البراءة إلى صياغة بيان آخر لمجاري الأصول العملية. ونحن لن نخوض في هذه الإشكالات حالياً، بل سنعقد مقارنة إجمالية بين هذه البيانات وآثارها بعد نقل البيان الثالث.
البيان الثاني
يقرر الشيخ في بيانه الثاني: إما أن تلاحظ الحالة السابقة في الشيء المشكوك، وإما ألا تلاحظ لعدم وجودها أو لعدم اعتبارها شرعاً. وهذا الشق يتطابق مع البيان الأول تماماً. غير أن الشيخ كان قد ذكر في البيان الأول أنه في حال عدم ملاحظة الحالة السابقة، فإما أن يمكن الاحتياط وإما أن يتعذر. أما هنا فقد غيّر هذا المسار قائلاً: إذا لم تلاحظ الحالة السابقة، فإما أن يكون الشك في أصل التكليف وإما أن يكون في المكلف به (متعلق الشك هو أصل التكليف أو ما تعلق به التكليف). فإن كان الشك في التكليف، فمجرى البراءة. وإن كان الشك في المكلف به، فإما أن يمكن الاحتياط فيه وإما أن يتعذر؛ فإن أمكن فالاحتياط، وإن تعذر فالتخيير.
ويكمن الفارق بين البيانيْن الأول والثاني في إزاحة وتبديل المحور الثاني لتصوير هذه الحالات؛ ففي البيان الثاني قال: إن الشيء الذي لا تلاحظ فيه الحالة السابقة إما أن يكون الشك فيه في التكليف وإما في المكلف به. بينما قال في البيان الأول: إما أن يمكن الاحتياط فيه وإما أن يتعذر. وبطبيعة الحال، متى ما تبدل المحور الثاني، يتغير تباعاً المحور الثالث؛ فبينما كان المحور الثالث في البيان الأول هو الشك في التكليف والشك في المكلف به، صار المحور الثالث في البيان الثاني هو إمكان الاحتياط وعدم إمكانه.
البيان الثالث
في مستهل بحث البراءة، سلك الشيخ الأنصاري مسلكاً مغايراً لتبيين مجاري الأصول العملية؛ وهذا التبيين وإن كان يشترك مع سابقيه في بعض الوجوه، إلا أنه ينطوي على فارق مستجد. حيث يقول فيه: «إِنَّ حُكْمَ الشَّكِّ إِمَّا أَنْ يُلاحَظَ فِيهِ اليَقِينٌ سَابِقٌ أَوْ لَا». وتأملوا كيف أن هذا البيان من الناحية الماهوية لا يختلف عن البيانيْن الأول والثاني، غاية ما في الأمر أن التعبير قد تبدل؛ فبينما قال هناك: “الشك إما أن تلاحظ فيه الحالة السابقة أو لا تلاحظ”، قال هنا: “إن حكم الشك إما أن يلاحظ فيه اليقين السابق”. واستبدل عبارة “الحالة السابقة” بـ “اليقين السابق”. ولعل هذا التعبير أدق من سابقه؛ إذ إن مقصوده بالحالة السابقة هناك هو عين اليقين السابق، وإلا فلو فرضنا أن الحالة السابقة كانت هي الشك، لما أجدى ذلك نفعاً ولما كان مجرى لهذه الأصول بالمعنى الأصولي. فالركيزة الأساسية هي أخذ اليقين وملاحظته في الحالة السابقة.
إذن، إما أن يلاحظ اليقين السابق في حكم الشك أو لا يلاحظ. فإن لاحظناه فالاستصحاب. وحيث لا يكون هناك يقين سابق، فتارة يمكن الاحتياط وتارة يتعذر.
والبيان الثالث يؤول هنا إلى البيان الأول؛ حيث قال هناك: إما أن تكون له حالة سابقة أو لا، والمورد الذي له حالة سابقة هو الاستصحاب، والذي لا حالة سابقة له إما أن يمكن الاحتياط فيه أو لا. وبناءً على هذا، لا نجد فارقاً بين البيانين الثالث والأول من هذه الجهة. غير أن الشيخ يضيف هنا قائلاً: في الموضع الذي يمكن فيه الاحتياط: «إِما ان یدَلَّ دَلِيلٌ عَقْلِيٌّ أَوْ نَقْلِيٌّ علی ان الْعِقَابِ عَلَى مُخَالَفَةِ الْوَاقِعِ الْمَجْهُولِ، وَ إِمَّا ان لَایدل فالاول الاحتیاط و الثانی البرائة». فالموضع الذي يمكن فيه الاحتياط، إما أن يقوم فيه دليل عقلي أو نقلي على العقاب بمخالفة الواقع المجهول، وإما ألا يقوم مثل هذا الدليل أصلاً. فإن قام الدليل العقلي أو النقلي على العقاب بالمخالفة، فالمجرى هو الاحتياط، وإن لم يقم، فالمجرى هو البراءة. وتأملوا وجه الفارق هنا:
لقد قال في البيان الأول: إن الموضع الذي لا حالة سابقة له ويمكن فيه الاحتياط، إما أن يكون الشك فيه في التكليف أو في المكلف به. ولكنه يقول في البيان الثالث: إن الموضع الذي يمكن فيه الاحتياط، إما أن يقوم فيه دليل عقلي ونقلي على العقاب، وإما ألا يقوم مثل هذا الدليل. فإن وجد الدليل، فهو مجرى الاحتياط، وإن انتفى الدليل، فهو مجرى البراءة. ومن هنا تلاحظون تجدد الفارق ثانية بين هذه المجاري.
أما وجوه التشابه -كما لاحظتم- فليست قليلة؛ غير أن المحاور قد أزيحت وتبدلت. ففي المحور الأول تتطابق البيانات بأسرها باستثناء فارق تعبيري طفيف للغاية. أما في المحوريْن الثاني والثالث، فقد اتضح لكم كيف عرض الشيخ مسألة إمكان الاحتياط وعدم إمكانه والتقسيمات المتفرعة عنها.
وقد وُجهت إلى هذه البيانات إشكالات عدة من قِبل الأعلام والمحققين، بل والتفت الشيخ نفسه إلى ثغرات فيها مما دعاه إلى إجراء هذه التعديلات والتبديلات المتلاحقة. وحيث إن الإشكالات كثيرة ومتشعبة، فإن الخوض فيها يستغرق وقتاً طويلاً دون ضرورة ملحة؛ إذ الغرض الأساس هو تقديم تقرير إجمالي وموجز لما أفاده الشيخ الأنصاري والمحقق الآخوند الخراساني في الأصول، لننتقل بعده إلى بحث آراء المعاصرين والتحقيق في الراجح منها.
كلام المحقق الخراساني
لقد أورد المحقق الآخوند الخراساني عدة إشكالات ونقوض على البيانيْن الأول والثاني للشيخ الأنصاري؛ ومفاد نقض المحقق الآخوند أنه لو شككنا بين وجوب شيء وحرمة شيء آخر، كأن نشك مثلاً في وجوب الدعاء عند رؤية الهلال أو حرمة شرب التتن (التبغ)؛ فبناءً على البيانيْن الأول والثاني للشيخ الأنصاري، يتعين جريان البراءة في المورديْن معاً؛ نظراً لكون الشك فيهما شكاً في التكليف. فنحن لا نعلم هل الدعاء واجب أم لا؟ وهل شرب التتن حرام أم لا؟ فهذا مجرى للبراءة. والسبب في ذلك أنه بحسب البيان الأول للشيخ، إذا كان الاحتياط ممكناً وكان الشك في التكليف، كان الموضع مجرى للبراءة؛ وعليه فهناك قيدان في البيان الأول: 1. الشك في التكليف. 2. إمكان الاحتياط. وهذان الشرطان متوفران في كلا المثالين المذكورين. وأما في البيان الثاني، فقد جُعل قيد الشك في التكليف وحده معياراً، سواء أكان الاحتياط ممكناً أم غير ممكن. وحيث إن الشك في المثالين هو شك في التكليف، فيلزم القول بجريان البراءة فيهما معاً.
السؤال: …
الأستاذ: لا، الفرض هنا أننا نواجه شكاً في التكليف… وعليك التدقيق في مجرى الأصل؛ فما الفارق بين البيانين الأول والثاني؟ نعم، هذا نقض يرد على كليْهما… فنحن نقول في نهاية المطاف: إما أن هذا واجب وإما أن ذاك حرام.. وهذا ليس من موارد الشك في المكلف به، وهذا المثال قد سِيق خصيصاً لهذه الجهة. فقد أورد المحقق الآخوند نقضاً مبيناً أن هذا المورد لا يندرج ضمن موارد الشك في المكلف به؛ نعم، بل هو شك في أصل التكليف. فهل نقول بوجود هذا التكليف أم ذاك؟… لا، ليس الأمر كذلك؛ إذ من الواضح كيف تجري المسألة في الموضع الذي يحيط به العلم الإجمالي.
وقد أورد المحقق الآخوند هذا النقض، كما أردفه بنقض آخر يطال البيانين الأول والثالث معاً؛ بمعنى أن هذه البيانات قاطبة قابلة للنقض والخدشة في رأي الآخوند، وسنتناول هذا الإشكال ونحاكمه لاحقاً إن شاء الله.