The news is by your side.

4. الشهرة: تنقيح محل النزاع – المطلب الثاني – المطلب الثالث

الجلسة الثانية

خلاصة الجلسة السابقة

ذكرنا أن الرابع من بين الأمور التي تُفيد الظن، والتي يجب أن ننظر هل هناك دليل على حجيتها أم لا، هو الشهرة. لكن من أجل تنقيح محل النزاع، قلنا إن هناك أموراً يجب ذكرها: عندما نناقش هل للشهرة حجية أم لا، أي هل تُعتبر من الظنون الخاصة أم لا؟ هل هي مثل الإجماع المحصل أم مثل الإجماع المنقول؟ هل هي مثل الظواهر أم لا؟ حتى الآن، ناقشنا حجية الظواهر، وحجية قول اللغوي، وحجية الإجماع المنقول. الرابع هو الشهرة. الأمر الأول الذي ذكرناه لتوضيح محل النزاع هو أننا نناقش حجية الشهرة الفتوائية. الشهرة الفتوائية تعني أن تكون فتوى ما مشهورة بين الفقهاء دون أن يكون مستندها معلوماً، وهذا يختلف عن الشهرة العملية. الشهرة العملية تعني أن فتوى الفقهاء تستند إلى خبر أو رواية قد تكون ضعيفة، ولكن بما أن عدداً كبيراً من الفقهاء يستندون إلى هذا الخبر، فإن ذلك يعوض ضعف السند. إذن، المطلب الأول هو أن المقصود بالشهرة في هذا المقام هو الشهرة الفتوائية.

المطلب الثاني

المطلب الثاني هو أنه إذا لم نقبل بحجية الإجماع، فلن يبقى مجال لهذا النقاش. النقاش حول حجية الشهرة يكون في طول حجية الإجماع. إذا لم يقبل أحدهم بحجية الإجماع، فلن يبقى مجال للحديث عن حجية الشهرة. هذا أمر ذكره البعض، ويبدو أنه أمر صحيح. لذا، النقاش حول الشهرة يُطرح في سياق النقاش حول الإجماع ويُعتبر من توابعه. سؤال: الأستاذ: هذا من حيث الكثرة والعدد. هنا لا يصل إلى حد الإجماع، مهما كان المبنى الذي نقبله. على سبيل المثال، من يستخدم لفظ الإجماع ولو لم يتحقق الاتفاق، لا يستخدم كلمة الشهرة للتعبير عن مقصده، لذا فهما مختلفتان.

المطلب الثالث

إذا كنا نناقش حجية الشهرة الفتوائية، فالمقصود ليس الشهرة الفتوائية التي تؤدي إلى الاطمئنان والوثوق. قد يدعي أحدهم أن الشهرة الفتوائية معتبرة لأنها تؤدي إلى الاطمئنان والوثوق، فإذا أدخل أحدهم الاطمئنان والوثوق في النقاش، فهنا لا يعود النقاش حول حجية الشهرة بحد ذاتها، بل حول حجية الوثوق والاطمئنان. على سبيل المثال، نقول إن اليقين حجة، والقطع حجة. كلما حصل للإنسان قطع من أي طريق كان، فهو حجة، وحجيته ذاتية وليست اعتبارية. إذا حصل أحدهم على يقين بحكم شرعي من الشهرة الفتوائية، فهنا ملاك الحجية هو حصول اليقين، والشهرة بحد ذاتها ليست موضوعية. لذا، عندما نناقش حجية الشهرة، فإننا نناقش في الحقيقة حجية الشهرة التعبدية. نريد أن نرى هل للشهرة بحد ذاتها تعبداً، دون النظر إلى ما إذا كانت تؤدي إلى اليقين أم لا، هل لدينا دليل على اعتبارها أم لا؟ لذلك، إذا ادعى أحدهم أن الشهرة حجة لأنها تؤدي إلى اليقين، فهذا خروج عن محل النزاع. سنقول لاحقاً إن أحد الأقوال في باب حجية الشهرة هو التفصيل بين الشهرة القديمة والشهرة المتأخرة. لكن البعض يقول إننا نحصل على اليقين من الشهرة القديمة ونطمئن إلى الحكم الشرعي، وهذا نقاش آخر. إذن، موضوع محل النقاش والنزاع في هذا المقام هو حجية الشهرة الفتوائية تعبداً، دون النظر إلى حصول الوثوق أو الاطمئنان، نريد أن نرى هل يمكن إثبات اعتبار الشهرة بحد ذاتها أم لا، هل هناك دليل على اعتبار الشهرة أم لا؟ لذا، الشهرة الروائية والشهرة العملية خارجتان عن دائرة النزاع. والشهرة التي تؤدي إلى الوثوق أو الاطمئنان أو اليقين بحكم شرعي هي أيضاً خارجة عن محل النقاش.

الأقوال

الأقوال في باب حجية الشهرة مختلفة. هناك على الأقل ثلاثة أقوال في هذا الشأن:

  1. حجية الشهرة مطلقاً، سواء بين المتأخرين أو غير المتأخرين، وإن كان هذا القول لا يجد قائلين كثيرين.
  2. عدم حجية الشهرة مطلقاً، سواء الشهرة القديمة أو الشهرة المتأخرة.
  3. التفصيل بين الشهرة القديمة والشهرة المتأخرة، أي أن الشهرة القديمة حجة والشهرة المتأخرة ليست حجة. لهذه الأقوال أدلتها التي يجب أن ندرسها. سؤال: الأستاذ: القدماء هم الفقهاء حتى زمن الشيخ الطوسي.

أدلة القول الأول

أدلة القول بحجية الشهرة مطلقاً هي عدة أدلة.

الدليل الأول: تعليل ذيل آية النبأ

الدليل الأول هو التعليل الوارد في ذيل آية النبأ، «إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ»؛ في ذيل آية النبأ، تم بيان تعليل لوجوب التبيّن من خبر الفاسق، أن تصيبوا قوماً بجهالة، أي لا تعتمدوا على خبر الفاسق، بل تبينوا وتفحصوا عن الخبر الذي يأتي به الفاسق، لماذا يجب التبيّن والتفحص؟ أن تصيبوا قوماً بجهالة، أي كيلا تقوموا بعمل تجاه قوم بجهالة فيؤدي ذلك إلى الندم والحسرة. هنا استُدل أنه بناءً على هذا التعليل، يجب ترك كل عمل يؤدي إلى إصابة قوم بجهالة. لكن إذا كان العمل لا يستلزم إصابة قوم بجهالة، فلا مانع منه، والأخذ بشيء أو عمل يؤدي إلى مثل هذه النتيجة غير جائز، أما إذا كان العمل لا يؤدي إلى هذه النتيجة، فالأخذ به جائز. خبر الفاسق بالتأكيد يسبب مشكلة ويؤدي إلى إصابة قوم بجهالة، لكن الشهرة ليست كذلك، فعندما يفتي جمع كبير من الفقهاء، لا تتحقق الإصابة بجهالة، وبالتالي ليست ممنوعة، فقط يجب الحذر من تحقق الإصابة بجهالة، وبالتأكيد بالأخذ بالشهرة لا تحدث هذه المشكلة.

دراسة الدليل الأول

هذا الدليل محل إشكال من حيث الكبرى والصغرى.

الإشكال الكبروي:

الكبرى هي: أن تصيبوا قوماً بجهالة؛ أي ما ذُكر كتعليل لوجوب التفحص والتبيّن من خبر الفاسق. هل هذه الكبرى تمنحنا الإذن بالأخذ بالشهرة منطوقاً أم مفهوماً؟ منطوق «أن تصيبوا قوماً بجهالة» هو أننا يجب أن نمتنع عن كل شيء وعن كل عمل يؤدي إلى إصابة بجهالة، لكن هل يمكننا أن نستخدم هذه الجملة لنستنتج أن كل شيء لا يؤدي إلى إصابة بجهالة جائز؟ هل يمكن أخذ مفهوم هذا التعليل؟ هذا أول الكلام. هل معناه أنه إذا لم يكن هناك إصابة بجهالة، فإنه غير ممنوع ولا يوجد إشكال من جهة أخرى؟ إذا قام الإنسان بعمل من جهالة وقرر قراراً أو تصرف تصرفاً أو فكر بطريقة تسبب مشكلة لقوم، يجب عليه الامتناع عن ذلك. في هذا لا نقاش، هذا واضح. لكن هل الأمور التي يجب الامتناع عنها تقتصر على هذا الأمر فقط؟ لا، قد تكون هناك أمور أخرى يجب الامتناع عنها ولكن لسبب آخر، لذا قد تكون الشهرة ممنوعة لسبب غير إصابة قوم بجهالة. إذن، لدينا نقاش كبروي أن إصابة قوم بجهالة لا تدل على جواز ومشروعية واعتبار شيء لا يؤدي إلى إصابة بجهالة.

الإشكال الصغروي:

هنا قيل أن تصيبوا قوماً بجهالة هو تعليل لوجوب البحث والتفحص عن خبر الفاسق. بمجرد أن يأتي فاسق بخبر، لا تعتمدوه، بل ابحثوا، لماذا؟ كيلا يصدر منكم تصرف جاهل، وتتعاملوا مع قوم ثم يتبين أن ذلك لم يكن صحيحاً. هنا استُخدم هذا التعليل للشهرة، لكن يجب أن نرى ما هو المقابل لهذه الجهالة؟ هل هذه الجهالة مقابل العلم، أم أنها بمعنى السفاهة؟ هناك احتمالان في الجهالة:

الاحتمال الأول:

أن تصيبوا قوماً بجهالة، أي أن تصيبوا قوماً بسفاهة، أي أن يصدر منكم عمل أحمق.

الاحتمال الثاني:

أن تكون الجهالة بمعنى النقيض للعلم، أي عمل ناتج عن نادانية. إذن، قد تكون الجهالة مقابل الحكمة بمعنى السفاهة، وقد تكون مقابل العلم بمعنى النقيض للعلم. إذا كانت الجهالة مقابل العلم، فالسؤال هو: إذا عمل أحدهم بالشهرة، هل عمله هذا بناءً على جهل أم بناءً على علم؟ إذا عمل أحدهم بالشهرة، أي اتخذ فتوى المشهور معياراً، فهذا العمل ليس بناءً على علم، هذا واضح، العمل بناءً على العلم هو العمل بناءً على القطع واليقين؛ والشهرة ليست مؤدية إلى القطع واليقين، فهذا كان فرضنا أصلاً. إذن، هذا الاحتمال غير مقبول أصلاً. إذا كانت الجهالة بمعنى العمل السفيه مقابل الحكمة والمصلحة، فهذا لا يشمل الشهرة، لأن العمل بالشهرة لا يُعتبر عملاً سفيهاً. افترض أن المشهور أفتوا بأن فلان عمل واجب. معنى وجوب عمل هو أنه إذا تُرك، فهناك احتمال العقاب في الآخرة، إذا كان واجباً وتركه الإنسان، فإن الإنسان يُؤاخذ بسبب ترك الواجب. هل هنا احتمال العقاب الأخروي أم لا؟ الأخذ بالشهرة لدفع احتمال العقاب ليس عملاً سفيهاً بالتأكيد. لذلك، آية النبأ والتعليل الوارد فيها لا يمكن أن تثبت حجية الشهرة. ربما لأن هذا الأمر واضح، لم يذكره كثير من الأصوليين.

الدليل الثاني: فحوى أدلة حجية الخبر الواحد

الدليل الثاني هو فحوى أدلة حجية الخبر الواحد. أي أن لدينا سلسلة من الأدلة التي نستخدمها لإثبات حجية الخبر الواحد، فما علاقتها بالشهرة؟ من خلال قياس الأولوية والفحوى والمفهوم الموافق، يتم استخلاص حجية الشهرة. لذا، تم التعبير بالفحوى. فحوى أدلة حجية الخبر الواحد، أي المفهوم الأولوي الذي نستخدمه من أدلة حجية الخبر الواحد. الدليل الثاني له تقريران، تم طرح هذه الأولوية ببيانين؛ أحدهما ذكره المحقق الخراساني في كفايته، وإن كان هو نفسه قد أورد عليه إشكالاً.

التقرير الأول

ملاك حجية الخبر الواحد هو الظن، نحن نعتبر الخبر الواحد معتبراً لأن خبر مخبر ثقة يولد لنا ظناً بمضمون الخبر. هذا الملاك يتحقق بطريقة أقوى في الشهرة. عندما يقول راوٍ ثقة واحد إن الإمام الصادق (ع) قال كذا، وهذا يولد لنا ظناً بالحكم الشرعي، فمن باب أولى، عندما يفتي عشرات الفقهاء، المشهور من الفقهاء، بفتوى معينة، فإن ذلك يولد لنا ظناً بالحكم الشرعي بطريقة أقوى. هذا هو التقرير الأول الذي لدى المحقق الخراساني هنا.

دراسة التقرير الأول

أورد المحقق الخراساني إشكالاً على هذا الدليل وقال: أولاً: ليس لدينا دليل على أن ملاك حجية الخبر الواحد هو حصول الظن، فبناء العقلاء، وهو أهم دليل على حجية الخبر الواحد، ليس مبنياً على حصول الظن. ثانياً: إذا كان ملاك حجية الخبر الواحد هو حصول الظن، ففي الحالات التي لا يحصل فيها الظن، يجب ألا يكون معتبراً، بينما نرى في بعض الحالات أن أخباراً لا تؤدي إلى حصول الظن لكنها مع ذلك تُعتبر حجة. كلا الإشكالين يبدوان واردين لدينا، الإشكال الأول والإشكال الثاني. إذن، التقرير الأول للدليل الثاني، أي التمسك بفحوى أدلة حجية الخبر الواحد، يعاني من إشكالين.

التقرير الثاني

الخبر الواحد حُجة بسبب طريقيته إلى الواقع، وبما أن الشهرة الفتوائية لها طريقية أقوى، فهي من باب أولى حجة. إذن، مرة أخرى، النقاش يدور حول الفحوى. التقرير الثاني يعتمد على أن نعتبر ملاك حجية الخبر الواحد هو الطريقية، أي أن نقول إن الخبر الواحد حجة لأنه طريق إلى الواقع. إذا كان ملاك الحجية هذا، فإن الشهرة من باب أولى وبأولوية تكون طريقاً إلى الواقع.

دراسة التقرير الثاني

هل هذا مقبول أم لا؟ هل ملاك حجية الخبر هو الطريقية إلى الواقع؟ أي هل العقلاء يأخذون بالخبر الواحد لأنهم يعتبرونه طريقاً إلى الواقع؟ هل هذا هو ملاك حجية الخبر؟ إذا قبلنا أن ملاك حجية الخبر الواحد هو هذا، فيمكننا الاستناد إلى فحوى أدلة حجية الخبر الواحد، لكن هذا محل نقاش، لأننا نرى في بعض الحالات أن العقلاء يأخذون بالخبر الواحد بينما لا يعتبرونه طريقاً إلى الواقع.

نقاش الجلسة القادمة

إلى جانب هذين الدليلين، هناك عدة أدلة أخرى ذُكرت هنا يجب أن ندرسها أيضاً، حتى نرى أخيراً هل للشهرة الفتوائية حجية أم لا؟